كانت الأمسية التي حملت عنوان «أم كلثوم وغناء الشعر العربي»، والتي استضافت من خلالها ندوة الثقافة والعلوم الناقد الأدبي الدكتور صلاح فضل متحدثاً ومحلقاً في فضاء كوكب الشرق، كانت أمسية مختلفة ومتميزة بكل المقاييس، فقد لمس الحاضرون منذ الإطلالة الأولى أن شيئاً مختلفاً ستحمله تلك الأمسية الرائعة، بدءاً من مقدمها بلال البدور، مروراً بغنى وتمكن وروعة وحضور ضيفها الدكتور صلاح، وانتهاءً بالنخبة الحاضرة.

لقد رسم المحاضر بأسلوبه الخاص ولغته السلسة الجميلة الشفيفة ودعاباته المثيرة، صورة صادقة عن عالم أم كلثوم، بما يحمله من خصوصية وحساسية وأسرار ربما نكتشفها لأول مرة، كما نقش بريشة الفنان لوحة متوازنة حول قدرة أم كلثوم على التغيير والإبداع والتواصل مع محيطها العربي، وإمكانياتها القادرة على النهوض بالكلمة ومنحها دفقاً جديداً مختلفاً لم تألفه الأذن العربية.

حرضت الأمسية لفيف الحاضرين على البوح بمكنوناتهم وعدم رضاهم عن ما وصلت إليه الأغنية العربية، التي انحدرت كلماتها وهوت نحو واقع مترد يشي بموات ملحوظ.

لم يقف المحاضر عند حدود بعينها وهو يشرح الواقع الغنائي العربي الحالي الذي بدأ الوهن يدب في مفاصله، فأكد على ضحالة أغلب المؤدين الحاليين من المطربين الذين اهتموا وما زالوا يهتمون بشكلهم الخارجي وصورهم وحملاتهم الدعائية، ويخططون للفيديو كليب وفكرته ومخرجه، بينما يتناسون في ظل ذلك كله أهم قيمة غنائية، وهي الكلمات التي هي بمثابة الجواد الرابح في أي حلبة.. لقد اهتم هؤلاء بكل التفاصيل المملة إلا الأغنية.

الجميل في تلك الأمسية أنها كانت متدفقة بالمشاعر الإنسانية والشعرية والنقدية، وحملتنا إلى فكر السيدة أم كلثوم التي كانت تعرف جيداً كيف ترسم خطواتها وتضع لمساتها، لتغدو قيمة مضافة للأعمال الغنائية والفنية التي تقوم بها، بما تملكه من وعي وثقافة ودراية بمتطلبات هذا الفن الخالص.

المثير أن أغلب الحضور تفاعلوا كثيراً وتجاوبوا طويلاً مع المحاضر، بل وانتقدوا جانباً من محاضرته بشكل حضاري، الأمر الذي أسعد الدكتور صلاح وجعل المحاضرة أكثر تفاعلاً ومرونة.