نتمنى أن تخلق الحملة التي أطلقها الشيخ ماجد بن محمد بن راشد آل مكتوم، تحت عنوان «صحراء بلا دماء»، وعياً وثقافة واهتماماً لدى عامة الشباب ولدى أوليــاء أمورهم، فالشباب من حقهم اغتنام أوقات فراغهم في اللعب والتسلية البريئة والتواصل مع أقرانهم، ولكن في حدود احترام حرية حقوق الآخرين.. والصحراء الجميلة الممتدة الجاذبة التي كانت ملاذاً ومتنفساً للعائلات، أصبحت اليوم صحراء طاردة، لأن البعض من الشباب استغل وقت فراغه في إرضاء غروره على حساب سلامة الآخرين.

عندما قالوا «إن الفراغ يصنع الموت» كانوا مدركين ذلك تماماً، فهو بمثابة الأفيون الذي يكسر إبداع الفكر ويأخذ الإنسان إلى المهالك، فيخلق أزمة حادة لأي مجتـــمع يسكنه.. فالفارغون، وهم أنواع وشرائح، يتعاملون بلغة العبثية واللهو في أمورهم الخاصة والعامة، فهم يخنقون الحياة النابضة بوسائلهم القاتلة، خاصة إذا كان هؤلاء الذين يعانون من فراغ الوقــــت، يتصفون بخواء الفكر وفراغه أيضـــــاً.. ولهذا فهم لا يكلفون أنفسهم عناء المحــاولة لاجتياز حدودهم، ولا يستجيبون لشرطهم كأناس قادرين على تجاوز المعتاد.

إن الإنسان المدرك الذي اجتاز حدود عالم ضيق ومغلق، يستطيع أن يتلمس البعد الذي يتمثل في فراغ الفكر ومساحته الشاسعة التي تسيطر على البعض من الذين يملكون نوافذ يطلون منها علينا، ويبثـــون من خـــلالها سخافاتهم وغثاءهم، ويسعون جاهدين إلى تعميق وسائل القتل الفكري بأمور وقضايا تافهة وهشة.

قال أحد العلماء في إحدى المحاضرات متسائلاً: هل رأيتم قرداً صنع سكيناً أو فأساً أو حبلاً؟

بالطبع كانت الإجابة بالنفي، فالفرق بين الإنسان والقرد فارق فكري شاسع، فالإنسان يمــتلك المـــعرفة ويعمل جاهداً كي يطور نفسه من خلال أدواتها، بينما القرد لا يمتلك ســوى التسلية وحدها ليفوز بحبة موز.. الإنسان الحقيقي صاحب التطلعات العليا، هو الذي يزرع وهو الذي يحصد، بينما الإنسان الذي يتفنن في نسج الأوقات الضائعة لا يختلف عن الـــقرد، إن لم يكن أقل منه.

المجــتمعات المتـحضرة تحاول جاهدة تحويل تلك المسوخ إلى أفراد واعية لشغل آفاق حياتها بأمور مهمة وحقيقية، بينما يصر البعض هنا على أن يخلق من الفراغ مجرماً.