لم أزر ليبيا من قبل، لكنني أعرفها جيداً من خلال أهلها، وما يتمتعون به من كرم وشهامة وقوة بأس وتحد وذكاء وفطنة وتلقائية مطلقة.

أعرف تاريخها ورجالها وجغرافيتها وصحراءها وأشعار بدوها وطيبة أناسها.. ذاك التاريخ المشرق بكفاح أهله، وتلك الجغرافيا المتباينة بتضاريسها، والصحراء المترامية بتعرجاتها، والشعر المثير الذي يلامس شغاف القلوب المتعبة، فيحيل الصخر إلى فتات، والطيبة التي تحفر وجهها عميقاً في دواخلنا كلما اعتقدنا أن زمنها ولى لا رجعة فيه.

ليبيا التي امتدت بتاريخها الموغل وكفاحها ضد المستعمر، وأراقت دماء شهدائها وقدمتهم فداء لتراب الحرية والانتصار، تستنجد من جديد وتصرخ وامختاراه.

الحدث جلل، لا تصدقه عين رأت أو أذن سمعت، وما يحدث غريب غريب.. لا يسر عدواً ولا صديقاً.. ما يحدث في ليبيا أمر يفوق الوصف والخيال، يفوق أفلام هوليوود عندما تبالغ لدرجة اللاصدق، اللاكذب، اللاواقع.

ما نراه على شاشات الفضائيات من صور، يكاد يذهب بعقولنا.. فأي قلب هذا الذي لا تؤثر فيه تلك الدماء النازفة، والجثث المحترقة، والهياكل البشرية التي كانت قبل ساعات ودقائق ولحظات لمواطنين ليبيين من لحم ودم، مقبلين على الحياة، مستبشرين بخيرها.. يحملون آمالهم وأحلامهم، ويحلمون بوطن يظلل الجميع ويغدق على الجميع يسمى ليبيا.. نعم؛ ليبيا، يهتفون باسم الوطن وينشدون بأصواتهم عالياً.. الله أكبر فوق كيد المعتدي.. الله للمظلوم خير مؤيد.. أنا باليقين وبالسلاح سأفتدي.. بلدي ونور الحق يسطع في يدي.. قولوا معي، قولوا معي، الله الله الله أكبر، الله فوق المعتدي.

الذي أعرفه ويعرفه الناس جميعاً في أرجاء الكرة الأرضية من أقصاها لأقصاها، أن الدولة خلقت لخير الشعب ورفعته، تكلله بالأمن والأمان، وتداريه من غدر النائبات ومن تداعي الشرور وتكالب الأعداء.. لم تخلق الدولة لمطاردة الشعب وحرقه وضربه بالذخيرة الحية.. ما يحدث لم نره من قبل ونرجو ألا نراه من بعد، لأنه خارج حدود العقل والتصور البشري.. هذا ما حدث ويحدث الآن في ليبيا.