ما هي الأسباب التي تحول دون اتّخاذ المسؤولين عن الثقافة العربية في دولنا، قراراً بوضع حدّ للاتّجاه التسخيفي والتجهيلي للثقافة العربيّة بشقيها؛ الرقمية وغير الرقمية؟ سؤال يطرحه المثقفون والأكاديميون كلما تمخضت ندوة فكرية عن رؤى تشخيصية للواقع المعاش، أو كلما رصد تقرير ما واقع الثقافة العربية.. فمن يطلع على «التقرير العربي الثالث للتنمية الثقافية» الصادر عن مؤسّسة الفكر العربي، يكتشف أن إنتاج الثقافة العربيّة واستهلاكها رقميّاً عبر الإنترنت وما يكتنفه من تواصل ثقافي رقمي، هو حالة مرضية لكنها في نفس الوقت قابلة للشفاء والتعافي.

الحالة ليست وردية، لكنها ليست سيّئة على طول الخط كما هو شائع أو يحاول البعض تسويقه من صورة نمطية عن الثقافة العربيّة على الإنترنت، وعن سلوك منتجيها وسلوك مستهلكيها ومستوى تواصلهم مع بعضهم البعض.

السؤال الذي يطرح نفسه في هذا المقام.. لماذا لا تقوم الدول العربية بوضع استراتيجيات من شأنها دعم السلوك الإيجابي لمنتجي الثقافة الرقمية؟

يفيد ملف «حركة التأليف والنشر» بأن أغلب من قام بشراء كتب خلال العام ‬2009، هم ممّن لديهم القدرة على مشاهدة القنوات الفضائية عبر امتلاكهم جهاز ساتالايت (‬89,9٪)، وممّن لديهم جهاز كمبيوتر في المنزل (‬92,5٪). والشيء نفسه يتكرّر مع ما يسمى عادة القراءة، فمن بين من قالوا إنهم من معتادي القراءة، امتلك ‬89٪ منهم ساتالايت، وكان لدى ‬90,6٪ منهم جهاز كمبيوتر، وهو الأمر الذي يدفع في اتجاه إعادة النظر في العلاقة بين مشاهدة القنوات الفضائية واستخدام الكمبيوتر والإنترنت، على عملية اقتناء الكتب في شكلها الورقي أو المطبوع.. أهمية هذا الاستنتاج تكمن في الدلالة على أن المشكلة في بلداننا، تتركز في البنى الاجتماعية والسياسية وليس في الجديد، سواء على صعيد القيم أو وسائل الاتصال والتكنولوجيا أم غيرها. كما تكمن المشكلة في عدم استعداد هذه البنى لاستثمار هذا الجديد وتطويعه إبداعياً.

الكثيرون منا يملكون أجوبة جاهزة ومعدة سلفاً، حيث يتمّ إلقاء الّلوم على الآخرين واتهامهم بغزونا ثقافياً، والبقاء في التبعيّة الاستهلاكية، عوضاً عن الأخذ بزمام المبادرة والعمل على رسم صورة حقيقية للإبداع، من خلال طرح مبادرات تنهض بالمبدع وبالإنتاج الإبداعي بشكل عام.