أرست ثورة الياسمين التونسية وبعدها أحداث مصر القائمة حالياً، حالة إعلامية جديدة على الواقع التقليدي الذي يتعاطاه الإعلام العربي بأشكاله المختلفة، فقد رأينا بأم أعيننا اختلاف وتبدل الأدوات، من خلال الدفق المثير للأدوات التكنولوجية التي تعاملت معها فئة الشباب بكل مقدرة وإتقان.. لم يعد ما يسمى السيطرة على وسائل الإعلام، وتوجيهها بشكل يضمن عدم إثارة القضايا المسكوت عنها ناجعاً، بعد أن أوجدت الوسائل التكنولوجية الحديثة ساحات افتراضية، وبرلمانات تحاورية، وقمماً تشاورية استطاعت أن تحرك جموع البشر بشكل عجزت عنه الوسائل والأدوات الأخرى.

من هنا أدت تلك الوسائل الجديدة للتعبير عن الرأي، ونقل الواقع، ومحاولة معالجته، إلى قلب الأدوار، فأصبح أولئك الذين لا حول لهم ولا قوة هم أصحاب الرسالة الإعلامية، والسلطة والجماهير هم متلقو ومستقبلو تلك الرسالة.

المثير أن كثيراً من الدول ذات الأنظمة التقليدية، لم تعر هذا الأمر انتباهاً ولم ترسم سياسة واضحة أمام التسارع الكبير لقوة وتنامي تلك الثورة بكل ما تحمله الكلمة من معنى، ما أدى إلى وقوفها عاجزة أمام الحراك المجتمعي بشكليه المنظم والفوضوي.

إن الواقع الإعلامي الجديد دائماً ما يفرض مقاييس جديدة وأفكاراً مختلفة للحالات المعاشة في لحظتها، وهذا ليس غريباً قياساً على حالات سابقة حدثت عبر التاريخ، كحادثة اغتيال الرئيس الأميركي «كينيدى» والذي وثقه مصور هاوٍ استخدمت صوره كل وكالات الأنباء، وكذلك ما حدث في سجن «أبو غريب» الذي تم توثيقه من خلال أحد الضباط عبر المدونات والهواتف المحمولة واليوتيوب، وغيرها من الحالات المماثلة.

لذا أصبح واجباً على المؤسسات الإعلامية أن تعمل بشكل فاعل على إيجاد آليات لتطوير الإعلام الجديد، وإخضاع منتسبيها لدورات مكثفة تؤهلهم للتعاطي مع تلك التقنيات، متسلحين بفنون كتابة الخبر والمقال والتصوير وعرض الصور، وآلية صناعة الأفلام، حتى تستطيع مواكبة إفرازات الواقع بكل ما يحمله من تناقضات.. على إدارات المؤسسات أن تغير واقعها وأداءها قبل أن تغير.