إن التعامل مع التجاوزات العشوائية غير المبررة ليس بالأمر السهل أبداً. لكن التعامل مع المديح الاعتباطي غير المبرر قد يكون أصعب.
وأخيراً، أخبرني سائق تاكسي أثيني متعاطف مع النازية قائلاً: «أنا ناخب الفجر الذهبي، لكنني أحس بشعور إيجابي اتجاهك». كنت أفضل لو وجه لي لكمة في بطني.
وكان لدي الشعور نفسه قبل بضعة أيام عندما قرأت مقترحات رئيس الوزراء المجري اليميني المتطرف «فيكتور أوربان» بشأن تحقيق السلام وإطفاء نيران الحرب بين روسيا وأوكرانيا. ورغم أن أوربان، على عكس ناخب الفجر الذهبي، لم يمتدحني شخصياً، إلا أن الاشمئزاز الذي شعرت به اتجاه السائق كان هو نفسه.
وعلى مر السنين، كنت أنزعج كثيراً عندما يعترف الأشخاص الذين كانت تحليلاتهم تتفق جزئياً، على الأقل، مع تحليلاتي أنهم فاشيون معادون للسامية، أو أنهم من أتباع ستالين التقليديين، أومن أتباع الليبرالية الأغبياء، أو ممن انضموا إلى معسكر «ترامب» في الآونة الأخيرة.
وفي عام 2011، لاحظت مدى صعوبة الأمر. إذ خلال مظاهرات أثينا الرائعة التي جلبت عشرات الآلاف من اليونانيين إلى ميدان «سينتاغما» لمدة 72 ليلة متتالية، للاحتجاج على إفقار اليونان المتعمد من قبل المجموعة الثلاثية سيئة السمعة الآن (المفوضية الأوروبية، والبنك المركزي الأوروبي، وصندوق النقد الدولي)، كان هناك فاشيون متربصون بيننا. وكما فعل الرجل في فيلم «آيزنشتاين»، قاموا بتحريض ذلك الحشد الكبير بملصقات تدعو إلى شنق جميع أعضاء البرلمان، وتظهر فيها «أنجيلا ميركل» بالزي النازي؛ والمفارقة هي أنهم استخدموا الاستعارات المعادية للسامية للإشارة إلى مساعدي «ميركل» المحليين.
ورغم أن الحشد اليساري تعلم كيف يبتعد عن هؤلاء الفاشيين، حيث تجمع في الجزء السفلي من ميدان «سينتاغما»، شعرت بالأسف لأننا لم نتعامل أبداً مع الفاشيين بصورة حاسمة كما فعل المتظاهرون في فيلم «آيزنشتاين». والأسوأ من ذلك، أن الهزائم المتتالية التي عانى منها اليسار الأممي على مدى عقود أغرت الكثيرين لكي يعتمدوا المنطق الفظيع الذي يعتمد مبدأ «عدو عدوي هو صديقي».
وفي عام 1981، انضممت إلى مظاهرة صغيرة نظمت في لندن ضد صدام حسين. وبعد أن تعرضت للعنف واحتجزت لفترة وجيزة من قبل الشرطة، تعرضت لانتقاد شديد من طرف أصدقاء يساريين، ووصفوني بالساذج .
وبعد مرور 22 عاماً تقريباً عن مظاهرة ضد غزو العراق في عهد صدام بقيادة الولايات المتحدة، انتقدتني مجموعة أخرى من اليساريين انتقاداً لاذعاً لمعارضتي الغزو. واستبعدت إمكانية إدانة كل من صدام حسين والغزو الكارثي الذي كان يهدف للإطاحة به.
لقد خلق تفكك يوغسلافيا مضايقات مماثلة. إذ في عام 1999، خلال الحرب بشأن كوسوفو، انقسم اليسار إلى معسكرين كرهتهما كلاهما. ووقع البعض في فخ دعم النظام القاتل لـ«سلوبودان ميلوسيفيتش» باعتباره العائق الأخير المتبقي أمام الإمبريالية الأمريكية والتوسع الاقتصادي الألماني في البلقان. وصور آخرون قصف الناتو على أنه تدخل ليبرالي كان ضرورياً لتسود الديمقراطية في البلقان. لقد كانت أياماً شعر فيها الأشخاص الذين عارضوا بنفس الحماسة فاشية «ميلوسيفيتش» وقصف الناتو للصرب بالعزلة.
وعلى مدى سنوات، كنت أشعر باليأس من أنه لا شيء يمكن أن ينقذ اليسار الدولي من نقط الضعف التي تجعل التقدميين يفقدون نجاعتهم مراراً وتكراراً. وحتى الساعة يقدم الحراك الإيراني الجديد لليسار الدولي فرصة ممتازة.
