الركود التضخمي وأبعاده العالمية المستقبلية

صورة
ت + ت - الحجم الطبيعي

طوال عام كامل، كنت أزعم أن الزيادة في التضخم ستكون مستمرة، وأن الأسباب التي أدت إليها ليست فقط سياسات رديئة، بل وتشمل أيضاً صدمات العرض السلبية، وأن محاولة البنوك المركزية مكافحة هذه الزيادة ستؤدي إلى هبوط اقتصادي عنيف. كما حذرت من أن الركود، عندما يأتي، سيكون حاداً وطويل الأمد، مع ضائقة مالية وأزمات ديون واسعة الانتشار. على الرغم من حديثهم المتشدد، ربما يضطر القائمون على البنوك المركزية، الذين وقعوا في فخ الديون، إلى التراجع والاستقرار على معدل تضخم أعلى من المستوى المستهدف. وأي محفظة من الأسهم العالية المخاطر وسندات الدخل الثابت الأقل خطورة ستخسر الأموال على السندات، بسبب ارتفاع التضخم وتوقعات التضخم.

ولكن كيف تراكمت هذه التوقعات؟ أولاً، من الواضح أن الفريق الذي اعتبر التضخم «مؤقتاً» خسر لصالح الفريق الذي اعتبره «مستمراً». بالإضافة إلى السياسات النقدية والمالية والائتمانية المفرطة التساهل، تسببت صدمات العرض السلبية في دفع نمو الأسعار إلى الارتفاع بشدة. وأفضت عمليات الإغلاق المرتبطة بجائحة «كورونا» إلى نشوء اختناقات العرض، بما في ذلك المعروض من العمالة.

الآن، يدرك الجميع أن صدمات العرض السلبية المستمرة هذه ساهمت في ارتفاع التضخم، وبدأت البنوك المركزية، مثل البنك المركزي الأوروبي وبنك إنجلترا وبنك الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، تعترف بأن الهبوط الناعم سيكون صعباً للغاية. والآن يتحدث رئيس الاحتياطي الفيدرالي جيروم باول عن «هبوط شبه ناعم» مع «بعض الآلام» على الأقل. من ناحية أخرى، أصبح سيناريو الهبوط العنيف موضع إجماع بين محللي السوق وخبراء الاقتصاد والمستثمرين.

إن تحقيق الهبوط الناعم في ظل ظروف صدمات العرض السلبية المصحوبة بالركود التضخمي أصعب كثيراً من تحقيقه عندما يكون الاقتصاد محموماً بسبب الطلب المفرط. منذ الحرب العالمية الثانية، لم نشهد أي حالة نجح فيها الاحتياطي الفيدرالي في تحقيق الهبوط الناعم في ظل تضخم أعلى من %5 (وهو حالياً أعلى من %8) ومعدل بطالة أقل من %5 (وهو الآن %3.7). وإذا كان الهبوط العنيف هو خط الأساس في الولايات المتحدة، فمن الأرجح أن تكون هذه هي الحال في أوروبا، نظراً لصدمة الطاقة الروسية، والتباطؤ في الصين، وتخلف البنك المركزي الأوروبي لمسافة أبعد عن المنحنى مقارنة بالاحتياطي الفيدرالي.

هل نحن في حالة ركود بالفعل؟ ليس بعد، لكن الولايات المتحدة سجلت نمواً سلبياً في النصف الأول من العام، وتشير معظم المؤشرات التي تستشرف مستقبل النشاط الاقتصادي في الاقتصادات المتقدمة إلى تباطؤ حاد سيزداد سوءاً مع إحكام السياسة النقدية. ويجب اعتبار الهبوط الحاد بحلول نهاية العام السيناريو الأساسي.

بينما يوافق محللون آخرون كثيرون الآن على هذا، يبدو أنهم يعتقدون أن الركود القادم سيكون قصير الأجل وسطحياً، في حين أنني حذرت من هذا التفاؤل النسبي، مؤكداً على خطر اندلاع أزمة ديون تضخمية ركودية حادة ومطولة. والآن تسببت الضائقة الأخيرة في الأسواق المالية في تعزيز وجهة نظري التي ترى أن الجهود التي تبذلها البنوك المركزية لإعادة التضخم إلى الانخفاض باتجاه المستوى المستهدف من شأنها أن تؤدي إلى انهيار اقتصادي ومالي.

دأبت لفترة طويلة أيضاً على الزعم بأن البنوك المركزية، بصرف النظر عن حديثها الخشن، ستستشعر ضغوطاً هائلة لإلغاء تدابير إحكام سياساتها بمجرد تحقق سيناريو الهبوط الاقتصادي العنيف والانهيار المالي. الواقع أن العلامات المبكرة التي تشير إلى التراجع بات من الممكن تمييزها الآن بالفعل في المملكة المتحدة.

تخضع السياسة النقدية على نحو متزايد للسيطرة المالية. وأذكر هنا أن تحولاً مماثلاً حدث في الربع الأول من عام 2019، عندما أوقف الاحتياطي الفيدرالي برنامج الإحكام الكمي وبدأ ملاحقة خليط من التيسير الكمي وخفض أسعار الفائدة الرسمية في الخلفية ــ بعد الإشارة سابقاً إلى استمرار زيادة أسعار الفائدة والتيسير الكمي ــ عند أول علامة دلت على نشوء ضغوط مالية معتدلة وتباطؤ النمو. سوف تتحدث البنوك المركزية بحزم؛ لكن الأمر لا يخلو من سبب وجيه للشك في استعدادها لفعل «كل ما يلزم» لإعادة التضخم إلى المعدل المستهدف في عالَـم يتسم بالديون المفرطة في ظل مخاطر انهيار اقتصادي ومالي.

في السابق كنت أزعم أن علاقة الارتباط السلبية بين أسعار السندات والأسهم ستنهار مع ارتفاع التضخم، وهذا ما حدث بالفعل. خلال الفترة من يناير، ويونيو من هذا العام، هبطت مؤشرات الأسهم الأمريكية (والعالمية) بأكثر من 20% في حين ارتفعت العائدات على السندات الطويلة الأجل من %1.5 إلى %3.5، مما أدى إلى خسائر فادحة في كل من الأسهم والسندات (علاقة ارتباط إيجابية بين الأسعار).

لكن الأسهم الأمريكية والعالمية لم يكتمل تسعيرها حتى في ظل هبوط عنيف معتدل وقصير الأمد. تنخفض أسعار الأسهم بنحو %30 في الركود المعتدل، ونحو %40 أو أكثر في ظل أزمة الديون التضخمية الركودية التي توقعتها للاقتصاد العالمي. والآن تتصاعد علامات الإجهاد في أسواق الديون: إذ تواصل الفوارق السيادية وأسعار السندات الطويلة الأجل الارتفاع، كما تتزايد بشكل حاد هوامش العائد المرتفع؛ وتغلق أسواق التزامات القروض المضمونة أبوابها؛ وتنزلق الشركات المثقلة بالديون، وبنوك الظل، والأسر، والحكومات، والبلدان إلى ضائقة الديون. إن الأزمة حاضرة بيننا بالفعل.

 

طباعة Email