منذ قام مستشار الأمن القومي الأمريكي آنذاك هنري كيسنجر، بزيارة إلى الصين في عام 1971، كان الالتزام بالمشاركة مع الجمهورية الشعبية سِـمة أساسية من سمات الدبلوماسية الأمريكية.

مع ذلك، يشير تدهور العلاقات الأمريكية الصينية في السنوات الأخيرة إلى أن هذه السياسة ربما بلغت منتهاها.

ربما يكون من الممكن تفسير القمة الافتراضية التي جمعت بين الرئيس الأمريكي جو بايدن والرئيس الصيني شي جين بينغ على أنها محاولة أخيرة لإنقاذ العلاقات الثنائية.

هذه خطوة إيجابية: فقد لعبت سياسة المشاركة دوراً بالغ الأهمية في تثبيط المواجهة بين الولايات المتحدة والصين. لهذا السبب، ينبغي للولايات المتحدة أن تجدد التزامها بالمشاركة، ولكن في إطار نهج مُـحَـدَّث يضع في الحسبان أجندة تتسم بالعالمية على نحو متزايد.

أثناء الحرب الباردة، توخت الولايات المتحدة المشاركة مع الصين كوسيلة لدمج البلاد في النظام الدولي، وليس احتواءها أو عزلها. في مقال نُـشِـر عام 1967 في مجلة الشؤون الخارجية، زعم رئيس الولايات المتحدة المقبل آنذاك ريتشارد نيكسون أننا «لا يمكننا ببساطة أن نترك الصين إلى الأبد خارج أسرة الأمم، لترعى أوهامها هناك، وتكرس كراهيتها، وتهدد جيرانها».

دفعت نهاية الحرب الباردة العالم إلى وضع غير عادي تاريخياً: كانت الولايات المتحدة القوة المهيمنة الوحيدة في العالم. وهكذا، حددت السياسة الخارجية الأمريكية، بما في ذلك تصدير الديمقراطية والقيم الليبرالية، الأجندة العالمية.

أدى هذا الوضع إلى نشوء تنافر وجفاء مع الصين.

وفي الوقت الحاضر، لا تحظى المشاركة مع الصين بشعبية كبيرة بين صنّاع السياسات في الولايات المتحدة، بل إن إدارة الرئيس السابق دونالد ترمب رفضتها بشكل قاطع.

ردد بعض الواقعيين في عالم السياسة الخارجية هذا الادعاء، زاعمين أن انضمام الصين إلى منظمة التجارة العالمية في عام 2001 سهل صعودها كمنافس استراتيجي للولايات المتحدة. وفقاً لهذا الرأي، كانت الولايات المتحدة ساذجة عندما تصورت أن التحرير الاقتصادي من شأنه أن يُـفضي إلى الإصلاح السياسي.

تغلغل هذا المنظور في السياسة الأمريكية في السنوات الأخيرة. وفي وقت حيث يبدو الجمهوريون والديمقراطيون عاجزين عن الاتفاق على أي شيء، فإنهم موحدون بشأن الحاجة إلى سياسة صارمة في التعامل مع الصين. لكن هذا الموقف ينطوي على عيب قاتل. فالمشاركة ذات قيمة عظيمة ليس فقط لقدرتها على تغيير الصين من خلال تحفيز التحرير السياسي والاقتصادي.

فالمشاركة تعمل أيضاً على تشكيل البيئة الدولية التي تشهد صعود الصين بطرق كفيلة بإثنائها عن تبني سلوكيات المجابهة. اليوم، أصبحت الضرورات الملحة التي تتجاوز الحدود الوطنية ــ مثل إدارة المنافع العامة العالمية ــ تحدد المعالم الجيوسياسية.

من الأهمية بمكان أن تتبنى الولايات المتحدة والصين إطار عمل للمشاركة يكون موجهاً نحو حل المشكلات العالمية ودعم التعاون حتى في أوقات الخلاف. ويتعين على الولايات المتحدة والصين العمل على ترسيخ مبدأ الانتظام في علاقتهما.

يجب أن تصبح سياسة المشاركة مسؤولية مشتركة تلزم القوى الأخرى بمضاعفة جهودها. هذا من شأنه أن يخلّف تأثيراً إيجابياً على الأمن الدولي، ويجعل البشرية في وضع أفضل لمواجهة التحديات العالمية الملحّة التي نواجهها جميعاً.

* كبير الاقتصاديين السابق في البنك الدولي، وعميد معهد الاقتصاد الهيكلي الجديد، وعميد معهد التعاون والتنمية فيما بين بلدان الجنوب. الممثل الأعلى الأسبق للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية في الاتحاد الأوروبي، وأمين عام منظمة حلف شمال الأطلسي ووزير خارجية إسبانيا سابقاً. يشغل حالياً منصب رئيس «EsadeGeo» - مركز أبحاث الاقتصاد العالمي والدراسات الجيوسياسية.