العد التنازلي لإكسبو 2020 دبي

    عمل مناخي أكثر إيجابية

    كمال درويش

    إن الذي يدفع النقاش السياسي والسياسة الاقتصادية هو «الطروحات» البسيطة، وبشكل أكبر بكثير من النظريات أو النماذج المعقدة والدقيقة، ما يهم هو «القصص» القابلة للتصديق والتي تمتع بقبول بديهي واسع بحيث يمكنها التأثير على الرأي العام، كما يرى الاقتصاديون الحائزون على جائزة نوبل: روبرت شيلر وابهيجيت بانيرجي واستر دوفلو في كتب لهم صدرت أخيراً.

    ومن المؤكد أن هذا الكلام ينطبق على السياسة المناخية. فنمذجة الاحتباس الحراري هي مهمة معقدة للغاية وتعتمد على العلاقات المادية «الاحتمالية» وكميات هائلة من البيانات عن النشاطات الطبيعية والبشرية على مدى عقود أو قرون عدة ولكن الرسائل الواضحة والمباشرة إلى حد ما تستمر في الهيمنة على النقاشات السياسية.

    عندما بدأ الجدل المتعلق بالسياسة المناخية، كان الطرح السائد هو أن النمو الاقتصادي يواجه قيداً جيداً على شكل ميزانية الكربون وإن تجاوزها سوف يجلب مقداراً غير مرغوب به من الاحتباس الحراري وعليه اضطر صناع السياسات إلى النظر في عمل موازنة بين ناتج اقتصادي أكبر في المدى القريب والضرر الذي يتسبب به الاحتباس الحراري على المدى الطويل.

    إن من غير المفاجئ أن الجدل الأكاديمي - الذي عكسته كتابات نيكولاس ستيرن وويليام نوردهاوس ومارتن فايتزمان – ركّز بشكل كبير على كيفية مقارنة تكاليف تخفيف التغير المناخي والتي يتم دفعها في الوقت الحاضر مع الفوائد المستحقة في المستقبل. إن ما يطلق عليه «معدل الخصم الاجتماعي» يعتمد على عنصرين: معدل «تفضيل الوقت الخالص» والذي عادة ما يعطي الأجيال المستقبلية ثقلاً أقل للرعاية مقارنة بالأجيال الحالية (وعلى الرغم من أن البعض يعتقدون أن الاعتبارات الأخلاقية تتطلب أن يكون هذا المعدل صفراً) ومصطلح يعكس درجة تناقص العائدات على الرعاية فيما يتعلق بالاستهلاك. إن وجود معدل خصم أعلى يجعل سياسات التخفيف الطموحة على المدى القصير مرغوبة بشكل أقل.

    إن البعد الآخر للقصة هو حقيقة أن تخفيف التغير المناخي هو مثال واضح على المنفعة العامة العالمية، ونظراً لأن هناك غلافاً جوياً واحداً فإن أي تخفيضات في الانبعاثات لبلد ما تتسبب في التخفيض نفسه في ثاني أكسيد الكربون بالغلاف الجوي أي التخفيف نفسه والذي لا يمكن إقصاء أي دولة منه، وهذا يؤدي إلى ظهور مشكلة الذين يستفيدون من منفعة عامة من دون أن يدفعوا تكلفتها: إن كل بلد لديه الحافز في جعل الآخرين يقومون بالتخفيف ومن ثم يقوم ذلك البلد بحصد المنافع من دون تكبد النفقات.

    تطبق العديد من البلدان بالفعل التقنيات الخضراء ولكن استمرار الابتكار (وبالتالي تخفيض التكلفة) يعتمد بشكل كبير على حوافز أكثر وأقوى تتعلق بالسياسات. إن الالتزامات الأخيرة الممنهجة والمهمة لكل من الولايات المتحدة الأمريكية والصين حتى تحققان حيادية الكربون بحلول سنتي 2050 و2060 على التوالي تعد بمثل تلك الحوافز وترسخها. ومثل تلك التعهدات قد أصبحت أكثر مصداقية بينما تعمل المزيد من البلدان على دعمها من خلال التزامات قصيرة المدى ضمن خطط عمل مدتها 10-15 سنة.

    إن الطرح المناخي الجديد والأكثر إيجابية يجب أن يجعل إحراز تقدم سريع تجاه التحول الأخضر العميق أكثر جدوى بكثير. وما بدا سابقاً على أنه انتحار سياسي يمكن أن يعود الآن بفوائد كبيرة على أولئك الذين يقودون مثل هذا الطرح.

     

    * وزير سابق للشؤون الاقتصادية في تركيا وإداري سابق لبرنامج الأمم المتحدة للتنمية.

    opinion@albayan.ae

    طباعة Email