استغلال الوباء سياسياً

يانيس فاروفاكيس - وزير مالية اليونان السابق، وزعيم حزب «جبهة العصيان الواقعي الأوروبي» المعروف بـ «ميرا 25»، وأستاذ علوم الاقتصاد بجامعة أثينا.

شهدت اليونان موجة أولى طفيفة من حالات الإصابة بفيروس كورونا المُستجد، العام الماضي، لكن أيضاً، يبدو أن الجهات المعنية لم تكن مستعدة لمواجهة الموجة الثانية..ما أدى إلى نتائج خطرة. وفي العموم، بشأن فيروس كورونا وانشتاره القاتل، يبدو أنه ما من خطط عميقة لردعه بشكل منهجي، والقليل من المعلومات حول الأخطاء الحالية تتسرب إلى المجال العام.

يتمثل أحد الأسباب في ضعف المعلومات الدقيقي حول انتشا رالفيروس وضحاياه.

في وقت سابق، بدأت الشرطة في التحقيق مع العاملين في المجال الطبي الذين أعلنوا عن إضرابات رمزية صغيرة احتجاجاً على نقص العاملين الصحيين. واللافت أنه عمدت جهات كثيرة لاستغلال الوباء للرد على أية اتهامات ومنع لومها على أي تقصير، بحجة الأخطار المحيقة.

ولكن قام سبعة من أعضاء البرلمان، التابعين للحزب الذي أنتمي إليه، بالمشاركة في مسيرة تقليدية، مع احترام تدابير ارتداء الكمامات وممارسة التباعد الاجتماعي. وبما أن الدستور يضمن حرية التنقل للبرلمانيين، كان قرارنا مسؤولاً وقانونياً.

وأذكر هنا، أنه مؤخراً، قال لي رئيس وحدة العناية المركزة في أحد مستشفيات مدينة سالونيك التي أنتمي إليها: «هذا ليس وقت الحزن، نحن نشعر باستياء شديد». فهو، جنباً إلى جنب مع طاقمه من الأطباء والممرضين المُتفانين، لم يتمكن من النوم في الليلة السابقة، والتي وصفها بشكل مثير بأنها تُشبه «ليلة عيد القديس بارتولوميو». سألتُه لماذا كان مُستاءً. أجابني بغضب قائلاً: «لقد فقدتُ رجلاً يبلغ من العمر 43 عاماً كان من الممكن إنقاذه»، وأضاف: «لكن الأكاذيب، الأخبار الكاذبة اللعينة والدعاية هي التي تدفعني إلى الجنون».

يجب أن يتم التركيز على اتباع إجراءات عملية نوعية تحصن المجتمع..ويجب أن نسمي المقصرين وان لا يجري استغلال الإجراءات لمنع تفشي «كورونا»، لأهداف سياسية خاصة، وذلك من أي جهة كانت.

ويبرز لنا الآن أنه هناك الكثير من الجهات التي تحرض وتقوم بدور هدام في مستويات الحراك المجتمعي والسياسي العام. وحتى في فترة الستينيات التي شهدت العديد من الاضطرابات، لم يتم تجريد عضو برلمان من الحصانة القانونية عن كلام تم التصريح به في قاعة البرلمان.

قبل عام واحد فقط، كنتُ أقرأ كتاباً للصحفية التركية إيس تيميلكوران بعنوان «كيف تخسر بلداً؟ »، وهو سرد مؤلم عن تحول تركيا إلى ديكتاتورية برلمانية. لم أكن أعلم حينها أنه بعد مرور عام، سيكون لكتابها صدى واسع النطاق مثل فيلم وثائقي عن التطورات هنا في اليونان. بدأت العلامات تظهر بعد فترة وجيزة من تولي الحكومة الجديدة المُحافظة السُلطة، قبل وقت طويل من انتشار الوباء.

في هذه الأثناء، واجهت منظومة العدالة تحديات هائلة. في بداية عام 2020، انتهت ولاية الرئيس. بعد أن نجحت في تعديل الدستور حتى تتمكن من انتخاب الرئيس الجديد بأغلبية برلمانية ضئيلة، قامت الحكومة باختيار رئيس مجلس الدولة بالوكالة كمرشح لها. في الواقع، كانت الرسالة الموجهة إلى كبار القضاة، الذين يواجهون التقاعد الإجباري في سن 67، واضحة: الامتناع عن إصدار أحكام ضد الحكومة والحصول على وظائف مُريحة في المقابل.

في الوقت الذي تشعر فيه أوروبا الليبرالية بالقلق بشأن هنغاريا وبولندا، اللتان تستخدمان حق النقض ضد ميزانية الاتحاد الأوروبي دفاعاً عن أنظمتهما غير الليبرالية، لا يبدو أن أحداً يلاحظ أن الدول الأعضاء الأخرى في الاتحاد الأوروبي، مثل اليونان، تحذو حذوهم.

لا شك أن التعاطي بشافية مع شتى المشكلات المجتمعية، هو السبيل الأمثل لحلحلة جميع التحديات والقضايا والتصدي لأية أخطار صحية وحياتية تهدد سلامة وأمن أي مجتمع، وعلينا لهذا أن نتبنى خطط عمل علمية منهجية، بوصلتها الدقة العلمية، والابتعاد عن أية أوجه استغلال سياسي للمشكلات، وهذا وحده يضمن الخير والأمان للجميع.

 

 

طباعة Email