إرث باهظ

أخيراً، بات بوسعنا أن نعلن بثقة أن رئيس الولايات المتحدة دونالد ترامب سيغادر البيت الأبيض، وإن كان على مضض. مع انتهاء سنواته الأربع في المنصب، ليس من السابق للأوان أن نطرح السؤال حول الكيفية التي سيذكره بها التاريخ.

سيحكم التاريخ على ترامب باعتباره رئيساً مهماً للولايات المتحدة، لأنه ترك أمريكا وقد تغيرت هي والعالم إلى حد كبير. كما سَـيُـنـظَـر إليه على أنه واحد من أسوأ الرؤساء، إن لم يكن الأسوأ على الإطلاق.

صحيح أن ترامب أنجز بعض الأمور المفيدة. فعلى المستوى المحلي، دفع بسياسات يبدو أنها ساهمت في تحقيق نمو اقتصادي قوي ــ خفض معدل ضريبة الشركات الذي كان مرتفعاً للغاية؛ وتخفيف بعض الضوابط التنظيمية الـمُـرهِقة.

وفي عالَـم السياسة الخارجية، يستحق ترامب أن ننسب إليه الفضل في تحريك سياسة الولايات المتحدة تجاه الصين، المتزايدة القوة، في اتجاه أكثر رصانة وانتقاداً. كما كان محقاً في تزويد أوكرانيا بأسلحة دفاعية، خاصة وأن جزءاً من ذلك البلد واقع تحت الاحتلال الروسي.

كان التفاوض على اتفاقية تجارية جديدة مع المكسيك وكندا، ثم إقناع الكونجرس بالموافقة عليها، إنجازاً كبيراً، حتى وإن كان التحسن الذي طرأ على اتفاقية التجارة الحرة لأمريكا الشمالية (نافتا) متواضعاً، ورغم أن أجزاءً مهمة من الاتفاقية الجديدة كانت مأخوذة من نص الشراكة الأكبر كثيراً عبر المحيط الهادئ والتي رفضها ترامب.

كما لعبت الولايات المتحدة دوراً مهماً في تسهيل عملية تطبيع العلاقات بين إسرائيل والعديد من جيرانها العرب، على الرغم من فشلها في إحراز أي تقدم بشأن القضية الفلسطينية.

بيد أن هذه الإنجازات وأي إنجاز غيرها يتضاءل أمام الأخطاء التي ارتكبها ترامب. وهنا تبرز إخفاقات بشكل خاص. يتمثل أبرزها في الضرر الذي ألحقه بالديمقراطية الأمريكية.

كما تشكل جائحة مرض فيروس «كورونا» (كوفيد19) القضية الثانية. إذ إن استجابة ترامب غير الوافية هي ما يفسر السبب وراء وفاة 400 ألف أمريكي بسبب هذا المرض بحلول الوقت الذي يترك فيه منصبه.

كما تسببت الاستجابة الأمريكية المعيبة المنقوصة في اختفاء ملايين الوظائف والشركات (بعضها بشكل دائم)، وتخلف ملايين الطلاب عن الركب، وفقدان الحكومات والشعوب في مختلف أنحاء العالم احترامها لأمريكا.

كان بوسع إدارة ترامب، ومن واجبها، أن تفعل الكثير في التعامل مع فيروس «كورونا».

ورغم أنها تستحق الثناء للدور الذي لعبته في التعجيل بتطوير لقاحات (كوفيد19)، فإن هذا الإنجاز تقوض جزئياً بسبب الفشل في الترتيب لتسليمه إلى الناس بكفاءة. كما فشلت الإدارة في تقديم رسائل متسقة حول الحاجة إلى أقنعة الوجه، ولم تضمن حصول العاملين الطبيين على معدات الوقاية الكافية ولم توفر الدعم الفيدرالي الأساسي لتطوير اختبارات فَـعّـالة.

كان الفشل الثالث المميز لإرث ترامب متمثلاً في السياسة الخارجية التي قوضت مكانة أمريكا في العالم. ترجع هذه النتيجة جزئياً إلى السببين الموضحين أعلاه: لاعتدائه على الديمقراطية وفشله في التعامل مع جائحة (كوفيد19).

سيكون من الصعب ــ إن لم يكن من المستحيل ــ إصلاح هذه الأضرار وغيرها في وقت قريب. صحيح أن ترامب لن يكون رئيساً بعد الآن، لكنه سيظل مؤثراً في الحزب الجمهوري وأمريكا.

بينما كان العالم يعيش بالفعل حالة من الفوضى المتنامية، وفي حين كان نفوذ الولايات المتحدة في انحسار واضح، عمل ترامب على تسريع هذين الاتجاهين بشكل كبير. المحصلة النهائية هنا هي أنه يسلم بلده والعالم أجمع في حالة أسوأ كثيراً مما ورثه. هذا هو إرثه المفجع.

* رئيس مجلس العلاقات الخارجية بالولايات المتحدة الأمريكية، ومؤلف كتاب «العالَـم: مقدمة موجزة».

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات