كانت شركة سبيري «Sperry Corporation» شركة أمريكية لصناعة المكونات الإلكترونية ومعدات تكنولوجيا المعلومات وأنظمة الدفاع.

بعد دخول الولايات المتحدة الحرب العالمية الثانية، أبرمت الشركة عقوداً حكومية مُربحة لإنتاج الأسلحة. عندما خفضت الشركة إنتاجها بعد انتهاء الحرب، تم التخلي عن جزء كبير من قاعدتها الإنتاجية في ليك سكسيس (نيويورك) وأصبحت مُتاحة للمستأجرين المُحتملين.

هكذا، قبل الانتقال إلى موقعها الحالي على ضفاف النهر الشرقي، جعلت الأمم المتحدة المنشأة حديثاً من مصنع أسلحة تم تحويله من عام 1946 حتى عام 1952 مقرها المؤقت الثاني. في البداية، ربما بدا الموقع غير مناسب لمنظمة تأسست لتعزيز السلام والتعاون الدولي، ولكن ما هو الرمز الأفضل الذي يمكن أن يكون لحقبة ما بعد الحرب؟ تم تحويل المكان الذي كان مُخصصاً لصناعة أسلحة الحرب إلى فضاء يُطلق عليه اليوم اسم «مصنع السلام».

اليوم، تحتفل الأمم المتحدة بالذكرى السنوية الخامسة والسبعين لتأسيسها، وبسبب تأثير وباء «كوفيد 19»، سيتم إجراء الاحتفال حتماً بشكل افتراضي.

حتى لو كانت هذه الذكرى السنوية باهتة، سيكون من الظلم عدم اغتنام الفرصة لإبراز الأهمية التاريخية للأمم المتحدة.

لكن تجاهل العيوب التي منعت الأمم المتحدة من تحقيق إمكانياتها والعمل بشكل فعّال باعتبارها «مصنع سلام» حقيقي لن يكون مُجدياً.

يعتبر البعض الأمم المتحدة أهم رمز لما يُسمى بالنظام الدولي الليبرالي الذي نشأ بعد نهاية الحرب العالمية الثانية. وجادل آخرون بأن 75 عاماً منذ تأسيس الأمم المتحدة لم تكن كلها ليبرالية أو دولية أو مُنظمة. لقد تحول كلا الموقفين إلى صيغ مُبتذلة، لكن الموقف الثاني أقرب إلى الحقيقة.

بعد فترة وجيزة من القطبية الأحادية للولايات المتحدة التي بدأت مع سقوط جدار برلين في عام 1989، عادت المنافسة بين القوى العظمى، وهذه المرة مع الصين والولايات المتحدة كمنافسين رئيسيين

. في بعض النواحي، تستحضر هذه المُنافسة حلقات مماثلة في الماضي، لكنها تطورت في العديد من الجوانب الأخرى بطريقة غريبة. في عهد الرئيس دونالد ترامب، أصبحت الولايات المتحدة تتخلى عن العديد من حلفائها التقليديين والمنظمات متعددة الأطراف التي كانت تقودها بشكل حاسم.

ومن المفارقات أن ترامب وُلد في مدينة نيويورك قبل شهرين فقط من إنشاء الأمم المتحدة نفسها في ليك سكسيس. لقد زعزعت سياسات «أمريكا أولاً» أسس الأمم المتحدة، مما تسبّب في وقوعها في واحدة من أعمق أزماتها حتى الآن.

تتمثل أحدث العلامات المُقلقة في محاولة الحكومة البريطانية تجنب بعض شروط اتفاقية الانسحاب مع الاتحاد الأوروبي - وبالتالي «خرق القانون الدولي بطريقة محددة ومحدودة للغاية». إن المشهد الجيوسياسي الأكثر فوضوية، حيث تسمح الحكومات الوطنية للمنظمات الدولية بلعب دور ثانوي وتتجنب المبادئ الأساسية للتعايش بين الدول القومية، لن يفيد إلا أولئك المتخصصين في استغلال الفوضى.

قد يُشير البعض إلى أن العالم فشل في ردع مثل هذا السلوك من قبل. في الواقع، يُعد تاريخ الأمم المتحدة نفسه مليئاً بالأهداف التي لم يتم تحقيقها. لكن لا أحد يستطيع أن يُنكر أن الخلافات القائمة في النظام الدولي قد تصاعدت بشكل كبير في الآونة الأخيرة.

لا يزال تغيير هذه الديناميكيات غير المواتية مُمكناً، لكنه يتطلب قيادة جريئة ومسؤولة على المستوى الدولي. سيكون أفضل تكريم للذكرى الخامسة والسبعين للأمم المتحدة، وللروح البناءة لدبلوماسيي مصنع السلام الأوائل، هو تحويل المنظمة إلى جدار وقائي يمكن من خلاله مواجهة الأزمات المتوقعة. في الوقت الحالي، مع الأسف، لا يزال هذا الهدف بعيد المنال.

* الممثل الأعلى السابق للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية، والأمين العام لحلف شمال الأطلسي، ووزير خارجية إسبانيا، وهو حالياً رئيس EsadeGeo - مركز الاقتصاد العالمي والجغرافيا السياسية وزميل متميز في معهد بروكينغز.