كشفت كارثة «كوفيد 19» أوجه الضعف الكامنة في اقتصاد عالمي مترابط بشكل مفرط، وعملية الإنتاج فيه تتم عند الطلب، مما يعني أن التراجع عن العولمة أصبح محتوماً بشكل متزايد، والى حد ما فإن هذا التراجع يمكن أن يكون إيجابياً، ولكن تحقيق نتائج إيجابية سوف يعتمد على تعددية عميقة وشاملة وفعالة.

إن احد أقوى محركات دعم التوجه للحد من العولمة هو ضعف نماذج الإنتاج التي تعتمد على سلاسل توريد عالمية طويلة ومعقدة والتي عملت على التضحية بالصلابة والمرونة على مذبح الفعالية قصيرة المدى وتخفيض النفقات ومع وجود العديد من الشركات والصناعات التي تعتمد على موردين في أماكن بعيده – وتفتقد لأي بدائل – فإنه لا يوجد أي جزء من سلاسل القيمة تلك يستطيع العمل بدون أن تعمل جميع الأجزاء وكما شاهدنا خلال أزمة «كوفيد 19»، لا يستطيع المرء أن يعرف متى سوف تتوقف الأجزاء عن العمل.

هذا ينطبق على وجه الخصوص على الصين وهي مركز لسلسلة التوريد العالمية. فالصين تلعب دوراً محورياً في تصنيع مجموعة واسعة من المنتجات الاستهلاكية الشائعة، وعليه فإن أي أزمة تؤثر على الإنتاج هناك يمكن أن تعطل الإمدادات الطبية في جميع أنحاء العالم. وهكذا، لم يكن من المفاجئ أن الإغلاق الذي حصل في الصين بسبب «كوفيد 19» كان له تأثير مباشر على الإنتاج العالمي، والعوملة، ولكن لحسن الحظ، يبدو أن الصين قد تمكنت من السيطرة على فيروس «كورونا» المستجد، حيث بدأت الأنشطة الاقتصادية في البلاد بالعودة للوضع الطبيعي وعليه كان التعطيل محدوداً ولكن لا يوجد ضمان أن التعطيل القادم لن يكون أكثر حدة أو يدوم وقتاً أطول.

يدعو العديد من نشطاء المناخ كذلك للمزيد من الإنتاج المحلي. إن الشحن العالمي مسؤول عن انبعاث 796 مليون طن من ثاني أكسيد الكربون سنة 2012 مما شكل حوالي %2.2 من إجمالي انبعاثات ثاني أكسيد الكربون البشرية المنشأ لتلك السنة وفقاً للمنظمة البحرية الدولية. وإن تقليل المسافات من اجل نقل البضائع سوف يعزز من الأهداف العالمية لتخفيض الانبعاثات ولكن بأي ثمن ؟

كل هذا يوحي بإن إزالة العولمة إلى حد ما مع التركيز على الصلابة والاستدامة قد يكون أمراً حتمياً ومرغوباً به في الوقت نفسه، ولكن هذه العملية تنطوي على مخاطر جدية وذلك من ارتفاع كبير في تكاليف الإنتاج إلى حدوث صراع جيوسياسي.

المقاربة الأفضل ستكون قائمة على أشكال فعالة من التعددية والتعاون العالمي ومن اجل التحقق من وجود استعداد كافي لمواجهة الجائحة. أما في مجال الأمن القومي، يتوجب على البلدان العمل معاً من اجل تطوير ما يشبه «معاهدات الحد من الأسلحة» للفضاء الإلكتروني وحوكمة البيانات والذكاء الصناعي والهندسة الحيوية. إن مثل تلك الاتفاقيات يجب أن تمنع سباقاً خطيراً لاستخدام التقنيات الجديدة كأسلحة مع تشجيع الابتكار الذي يعزز رفاهية البشر وامنهم.

وأعلنت كارمن راينهارت والتي ستتولى منصب كبير الاقتصاديين في البنك الدولي مؤخراً وبشيء من القلق أن «كوفيد 19» هو المسمار الأخير في نعش العولمة. لكن إزالة العولمة إلى حد ما لا تعني بالضرورة حدوث أزمة اقتصادية علماً انه بوجود تعاون عالمي متجدد وفعال فإن التكاليف يمكن أن تكون محدودة ويمكن تعظيم الفوائد – القوة والأمن والاستدامة -.

* وزير سابق للشؤون الاقتصادية في تركيا. وعمل سابقاً كمسؤول إداري لبرنامج التنمية التابع للأمم المتحدة وهو حالياً زميل تنفيذي في معهد بروكينغز

opinion@albayan.ae