العد التنازلي لإكسبو 2020 دبي

    تحقيق التعافي الصيني المستدام

    عندما اندلعت الأزمة المالية العالمية عام 2008، انهارت صادرات الصين، الأمر الذي هدد بخسائر فادحة في الوظائف. وفي الاستجابة لتلك الأزمة، أطلقت الصين العنان لطفرة البناء الأكبر على الإطلاق في العالم، فَـصَـبَّـت كمية من الخرسانة في الفترة من 2011 إلى 2013 أكبر من كل ما صبته الولايات المتحدة من خرسانة في القرن العشرين بأكمله.

    خلال هذه الفترة، ارتفع إجمالي الاستثمار من %43 إلى %48 من الناتج المحلي الإجمالي، كما ارتفع إجمالي الدين من %140 في عام 2008 إلى أكثر من %200 بحلول عام 2013، ليصل إلى %250 بحلول عام 2017 حيث كانت البنوك تقدم القروض بحرية للحكومات المحلية، والصناعات الثقيلة المملوكة للدولة، وشركات التطوير العقاري.

    وزادت وظائف البناء من 39 مليون إلى 53 مليون وظيفة، واستمر إجمالي العمالة الحضرية في النمو بوتيرة سنوية بلغت 12 مليونا، وهو العدد المطلوب لاستيعاب الهجرة من المناطق الريفية. وانخفض نمو الناتج المحلي الإجمالي السنوي بشكل طفيف من %9.6 في عام 2008 إلى %9.2 في عام 2009.

    اليوم، تواجه الصين تحدياً مماثلاً. فمثلها كمثل غيرها من الاقتصادات الآسيوية، نجحت الصين في احتواء تهديد مرض فيروس كورونا (كوفيد 19) بشكل أكثر فعالية من أوروبا الغربية أو الولايات المتحدة؛ فقد عادت جميع مصانعها تقريبا إلى العمل مرة أخرى، وتُـظـهِـر أرقام التصدير في شهر إبريل تجارة مزدهرة مع الجيران الآسيويين.

    ولكن مع استمرار حالة الإغلاق الجزئي في الاقتصادات الغربية المتقدمة واحتمالات تعافيها ببطء، تواجه الصين رياحاً معاكسة شديدة تعوق النمو. وربما يتمثل الإغراء هنا في تكرار الحافز الذي تقوده أنشطة البناء.

    لكن طفرة البناء بعد عام 2008 خلفت ثلاثة تأثيرات سلبية.

    في الظروف المثالية، ينبغي للتعافي الأفضل أن ينطوي على نمو قوي في الاستهلاك وخفض معدل الاستثمار المرتفع بإفراط في الصين. لكن تداعيات أزمة كوفيد 19 تجعل هذا مهمة صعبة في الأمد القريب. من الأسهل كثيراً الحفاظ على التباعد الاجتماعي في موقع للبناء مقارنة بمطعم، وحتى عندما تخفف القيود المتعلق بالصحة، ربما يظل المستهلكون على حذرهم وتحفظهم في التعامل مع البيئات الاجتماعية الكثيفة الحضور.

    تُـظـهِر أحدث الأرقام أن مبيعات العقارات وأنشطة البناء تنتعش بسرعة أكبر كثيراً من خدمات المستهلكين وتجارة التجزئة. كما يشهد الاستثمار في البنية الأساسية من قِـبَـل الحكومات المحلية، والذي يعتمد تمويله على سندات ذات أغراض خاصة، زيادة حادة بالفعل.

    لكن تطورين رئيسيين منذ عام 2009 يجب أن يجعلا الحكومة الصينية حذرة في تحفيز الاستثمار التقليدي. التوسع الحضري متقدم بدرجة أكبر كثيراً، حيث يعيش %61 من الناس الآن في مناطق حضرية محددة رسميا، ارتفاعا من %48 في عام 2009، كما يعيش العديد من السكان «الريفيين» في بلدات كبيرة الحجم.

    في غضون عشر سنوات، ستحقق الصين مستويات التحضر المشهودة في الاقتصادات المتقدمة. وما لم تعمل على تهدئة الاستثمار في الإسكان ومشاريع البنية الأساسية في المناطق الحضرية قريبا، فسوف تجد نفسها في مواجهة أصول ضخمة مهدرة وقدرة مفرطة شديدة في الصناعات الثقيلة. تُـظـهِر تقديرات لجنة تحولات الطاقة أن الطلب المحلي على الصلب والأسمنت قد ينخفض بنسبة %30 وأكثر من %60 على التوالي، على مدار السنوات الثلاثين القادمة.

    بالإضافة إلى هذا، سوف يبلغ عدد سكان الصين ذروته في منتصف عام 2020، ومن المرجح أن ينخفض عدد السكان في سن العمل بنحو %20 خلال الفترة من الآن وحتى عام 2050. وسوف ينخفض عدد من تتراوح أعمارهم بين 20 إلى 30 عاما بنحو 22 مليون (%12) في غضون العقد المقبل فقط. وفي الأمد القريب، ستظل الصين في احتياج إلى ضمان توفير فرص العمل الكافية في مواجهة الانكماش الدوري اليوم.

    على هذا، يشدد قادة الصين على المستوى الوطني والإقليمي عن حق على الحاجة إلى أشكال «جديدة» من الاستثمار في البنية الأساسية، مع التركيز على تكنولوجيا الأتمتة، والذكاء الاصطناعي، ونشر الجيل الخامس من الاتصالات.

    ولكن ينبغي لهم أن يتحروا الواقعية في ما يتصل بمقدار ما قد يحققه هذا من التحفيز الفوري وخلق الوظائف. يتعين على الصين أن تعمل على إيجاد التوازن الصحيح بين الحفاظ على النمو في الأمد القريب وإرساء أسس النمو في المستقبل.

    وسوف يكون التعجيل بالتقدم نحو اقتصاد منخفض الكربون طريقة جيدة لتحقيق هذه الغاية.. الواقع أن مضاعفة وتيرة الاستثمار في طاقة الرياح والطاقة الشمسية ستكلف أقل من %1 من الناتج المحلي الإجمالي.

    إلى جانب الاستثمار الإضافي في نقل الكهرباء العالية الجهد (UHV)، وشبكات توزيع الطاقة، والأشكال المتعددة من تخزين الطاقة، والبنية الأساسية للشحن اللازم لدعم كهربة النقل البري، فإن الزيادة في الإنفاق على الجهود المبذولة لتحقيق هدف الاقتصاد المنخفض الكربون من الممكن أن تعوض بشكل كبير عن تراجع الطلب على الصادرات.

    الحق أن الصين قادرة على التعافي من جائحة كوفيد 19 بذات القوة التي تعافت بها من أزمة 2008، ولكن بطريقة أكثر استدامة إلى حد كبير. وللقيام بهذا، يتعين عليها أن تقاوم إغراء استخدام أدوات التحفيز التقليدية وأن تعمل على تحقيق رؤيتها الخاصة لاقتصادها في المستقبل.

    * رئيس لجنة تحولات الطاقة، وكان رئيساً لهيئة الخدمات المالية في المملكة المتحدة في الفترة من 2008 إلى 2012، وأحدث مؤلفاته كتاب «بين الديون والشيطان»

    طباعة Email