عد فصل اعتبارات الكفاءة عن شواغل التوزيع من الممارسات العريقة والراسخة في أساسيات اقتصاد الرفاهية، رغم ما يسببه ذلك من إشكاليات في أغلب الأحيان.
تقول الحجة هنا إنه في أي اقتصاد يتمتع بهبات ما، موزعة بشكل ما، توجد مجموعة من الأسعار التي توجه السلوك التنافسي نحو تخصيص مناسب للموارد. فإذا لم تكن النتيجة مرغوباً فيها لأسباب تتعلق بالعدالة والإنصاف، يمكن حينئذ استخدام مجموعة منفصلة من سياسات إعادة التوزيع لتحقيق ناتج أكثر إرضاء وجاذبية.

لا شك في أن هذا الطرح مقيد بعوامل كثيرة تتعلق بالمعلومات القاصرة، والأسواق غير الكاملة، واقتصادات الحجم الكبير، والقدرة على التسعير، والحاجة لإعادة التوزيع ليكون في صورة مبلغ إجمالي من أجل الحفاظ على الكفاءة.
فضلاً عن أن إعادة التوزيع تكون غير مجدية وغير عملية على المستويين السياسي والمؤسسي. رغم ذلك، لا تزال «قابلية فصل» الكفاءة عن أولويات التوزيع تشكل الأساس لسرد اقتصاد السوق.
يشكل ذلك السرد قدراً كبيراً من الجدال المحتدم حول تغير المناخ، وخاصة في ما يتعلق بمناقشة ضرائب الكربون الحدودية، التي تهدف لموازنة تكلفة استخدام الكربون من المصادر المحلية والخارجية، بغية منع «تسرب الكربون». ولكن ما الجدوى من فرض ضرائب من جانب واحد على الكربون في عالم حيث يمكن نقل انبعاثات ثاني أكسيد الكربون من بلدان تطبق سياسة تسعير الكربون إلى بلدان لا تطبقها، ما دام الحجم الكلي للانبعاثات سيظل كما هو تقريباً.
لا شك في أن ضرائب حدود الكربون ستواجه مشكلات صعبة كثيرة في ما يتعلق بالقياس، إذ ينبعث المحتوى الكربوني بمعظم المنتجات في بلدان كثيرة مختلفة ذات سياسات مناخية متفاوتة، كنتيجة لسلاسل القيمة العالمية. ولكن ضرائب الحدود التي تمنع تسرب الكربون قد يقارب تأثيرها بشكل مبدئي ما قد تحدثه ضريبة عالمية في الكربون من تأثير.
وكما أوضح كينيث روجوف مؤخراً، فإن فرض «ضريبة عالمية على الكربون من شأنه أن يحقق بضربة واحدة ما لا تستطيع آلاف التدابير التنظيمية تحقيقه بسهولة». وتوصي الحجة النظرية لضرائب الحدود بالتحرك نحو تكلفة عالمية للكربون، ثم معالجة مشكلة التوزيع الدولي من خلال آلية لتحويل الموارد إلى البلدان منخفضة الدخل.
عملياً لم تفصل المفاوضات الدولية الكفاءة عن شواغل التوزيع بصورة دقيقة، فقد كان من المقبول دوماً ألا تطالَب الدول النامية بتحمل العبء قصير الأجل للانتقال إلى اقتصاد عالمي منخفض الكربون.
كما كان هناك اعتراف بأن الاقتصادات الأفقر ستستغرق وقتاً أطول لخفض انبعاثات ثاني أكسيد الكربون، اتساقاً مع حقيقة انخفاض أسعار الكربون في تلك الدول عن غيرها، وأنها ستحتاج أيضاً لمساعدة مالية من الدول الأكثر ثراء خلال فترة الانتقال.
بالتالي يمكن معالجة شواغل التوزيع من خلال مزيج من التفاوتات «المفتقدة للكفاءة» في أسعار الكربون عبر الدول وتحويلات الموارد. فقد تكون هناك حاجة ضرورية لشيء من عدم الكفاءة العالمية، نظراً للصعوبة الشديدة في حشد موارد كافية لتعويض الدول النامية عن انخفاض النمو الذي قد ينتج عن تماثل أسعار الكربون بها مع أسعاره بالاقتصادات المتقدمة.
إن تنفيذاً شاملاً لضرائب الكربون الحدودية من دون استثناءات للدول النامية، ولكن مع تحويل الموارد إليها، من شأنه أن ينسلخ عن هذا النهج المختلط وأن يكون أكثر اتساقاً مع رواية «قابلية الفصل» الأساسية. ولا ريب في أن مثل هذا النهج قد ينطوي على مخاطرة الوعد بالموارد من دون تحويلها. ولذا يجب أن يتسم أي التزام بالمصداقية المسبقة.
ومن المرجح أن يبرز النقاش المستقبلي بشأن ضرائب الكربون الحدودية وسط تحول التركيز من التوزيع الدولي إلى إعادة التوزيع داخل الدول. وخلال العقد القادم، سيصبح التنافس في مجال التكنولوجيا النظيفة شديداً نظراً لحدوث طفرة هائلة في الخبرات والمعارف التقنية، وترسخ الحس الأخلاقي بالمسؤولية تجاه المناخ حول العالم.
ومن المرجح أن تساهم زيادة الخبرة في خفض سعر الكربون المطلوب للالتزام بمسار نمو مثالي.
في حال تعضيد تلك الاتجاهات، أتوقع من أي دولة تقوم باستثمارات في العقد القادم، أن تباشر مسار نمو منخفض الكربون حتى مع انخفاض سعر الكربون عن التقديرات السابقة.
ولكن بالنسبة للدول التي لديها مخزونات ضخمة من البنية التحتية القائمة، ستتمثل المشكلة الكبرى في إرث استثمارات الماضي مجسدة في شكل أصول عالقة وبطالة محلية مركزة، ما يعني أن إدارة القضايا التوزيعية داخل الدول قد تشكل عقبة أكثر من كونها إعادة توزيع عبرها.
فضلاً عن ذلك، سنجد أنه مع تزايد الاستثمارات الأخيرة في البنية التحتية كثيفة الاستخدام للكربون ستصطدم غالباً كثير من الاقتصادات متوسطة الدخل بمشكلات متعلقة بالتوزيع الداخلي، أكبر من تلك التي ستواجهها الاقتصادات المتقدمة التي تزيد لديها بالفعل الأصول المستهلكة، أو الدول الفقيرة ذات البنى التحتية المحدودة.
ولذا قد يبدو أي رسم بياني يوضح حجم مشكلة التوزيع داخل الدول في صورة منحنى على شكل حرف U مقلوباً. ولكن حشد الدعم الدولي لتيسير الصعاب المالية التي تواجهها الاقتصادات متوسطة ومنخفضة الدخل أصعب من حشد المساعدات، على أساس دخل الفرد، بالنسبة للدول الأفقر.
قد تساهم ضرائب الكربون الحدودية في مساعدة العالم على التحرك بصورة أكثر فعالية نحو الاستدامة. ولكن حتى تكون مثل تلك الضرائب جزءاً من نهج توافقي متعدد الأطراف، وليس مصدراً جديداً للنزاع، يجب على صانعي السياسات معالجة القضايا التوزيعية أولاً كجزء من مخطط استراتيجي، وليس كفكرة ثانوية لاحقة.
* مدير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي سابقاً، وهو حالياً زميل رفيع المستوى في مؤسسة بروكنجز.
