00
إكسبو 2020 دبي اليوم

البراعة التكنولوجية المتنامية للصين

يشعر الكثير من الناس بالقلق من أن حمائية الرئيس الأميركي دونالد ترامب سوف تقضي على المنافع الطويلة الأمد للتجارة العالمية. ويأمل آخرون، معظمهم من أنصار ترامب -بما في ذلك العديد من الشركات الأميركية- بأن السياسات الصارمة يمكن أن تمنع الصين من أن تصبح نظيرة تكنولوجية لأميركا. غير أن المخاوف بشأن تأثير تخفيض التجارة العالمية على المدى الطويل مبالغ فيها، والأمل في منع صعود الصين لا يمكن تحقيقه.

تحدث التجارة لثلاثة أسباب: أولاً، لدى البلدان موارد أصلية مختلفة: بعضها ينتج النفط، والبعض الآخر النحاس، البعض ينتج الموز، والبعض الآخر القمح. إذا توقفت هذه التجارة، فسيعاني الازدهار العالمي. ومع ذلك، فإن التجارة في المنتجات والسلع الزراعية تمثل بالفعل حصة صغيرة من إجمالي التجارة، ومن المرجح أن يستمر هذا الأمر بهذه الطريقة.

تعكس التجارة أيضاً الاختلافات في تكاليف اليد العاملة. تنتج البلدان منخفضة التكلفة سلعاً مصنّعة كثيفة العمالة، باستخدام الآلات المستوردة من البلدان ذات العمالة العالية التكلفة، ولذلك كان النجاح الاقتصادي المذهل للصين مستحيلاً دون التجارة المبنية في البداية على الاختلافات في تكاليف العمالة.

وبالنظر إلى الارتفاع السريع في الأجور في الصين اليوم، فإن ميزة تكلفة العمالة تنخفض بسرعة، ولهذا فإن التخصص ووفورات الحجم في التصنيع والبحث والتطوير والعلامات التجارية تولد التجارة بين البلدان الغنية على حد سواء.

يتم تصدير السيارات الأوروبية الفاخرة إلى الولايات المتحدة، ويتم استيراد هارلي ديفيدسون إلى أوروبا، كما يتم تداول العديد من المعدات عالية التخصص من السلع الرأسمالية في كلا الاتجاهين.وبمجرد حدوث هذه العلاقات التجارية، فإن أي تغيير مفاجئ في التعريفات سيكون مدمراً للغاية.

وتتمثل القضية الرئيسية في مدى الحاجة إلى مساحة اقتصادية كبيرة لتعزيز وفورات الحجم وسلاسل التوريد المعقدة المتكاملة مع الحفاظ على منافسة قوية بين الشركات المتعددة. إذا حاولت دولة مثل أيرلندا، التي يبلغ عدد سكانها خمسة ملايين نسمة، أن تكون مكتفية ذاتياً في جميع السلع، فإن دخلها سيكون جزءاً من مستوى اليوم. حتى لو حاولت بلدان أكبر مثل بريطانيا أو فرنسا أو ألمانيا أن تكون مكتفية ذاتياً، فإن الضربة ستكون قاسية على الإنتاجية ومستويات المعيشة.

ومن ناحية أخرى، يمكن للاقتصاد القاري للصين البالغ 1.4 مليار نسمة أن يحقق تقريباً جميع وفورات الحجم الممكنة مع الحفاظ على منافسة داخلية قوية، من حيث المبدأ، يمكن للهند أن تفعل ذلك أيضاً. سوف تعاني الولايات المتحدة، التي يزيد عدد سكانها على 300 مليون نسمة، بشكل طفيف في حال قامت بالتصدير والاستيراد خارج حدودها، وينطبق الأمر نفسه على السوق الموحّد للاتحاد الأوروبي الذي تضم 520 مليون نسمة.

وبعيداً عن نقطة معينة، فإن الفوائد المحتملة لتوسيع التجارة بين البلدان ذات الثروة المتكافئة ستنخفض حتماً. إذا كانت هناك تجارة أقل بين الاقتصادات على النطاق القاري للصين والولايات المتحدة وأوروبا في عام 2050 مما هو عليه اليوم، سيكون التأثير المباشر على مستويات المعيشة ضئيلاً.

إن ما يمكن أن يضيع دون التجارة العالمية -وأكثر من ذلك، دون تدفقات الاستثمار- هو نقل المعرفة والتكنولوجيا وأفضل الممارسات. بدأ الإنعاش الاقتصادي للصين بموازنة تكلفة العمالة، ولكن تم دعمها بنقل مكثف للمعرفة. وعلى الرغم من أن جزءاً صغيراً من هذا النقل يعكس التجسس الصناعي، فإن الغالبية العظمى كانت تلقائية وقانونية وحتمية.

وعلاوة على ذلك، تعلم العمال والمديرون الصينيون العاملون لدى الشركات الغربية تقنيات جديدة. كان على الموردين تلبية المعايير العالية، وكان بإمكان أصحاب المشاريع المحليين الاعتماد على سلاسل التوريد الجيدة للتنافس. أدت المشاريع المشتركة حتما إلى نقل المعرفة إلى الشركاء المحليين، وكانت الشركات الغربية سعيدة بالارتباط بها للوصول إلى السوق المحلي الصيني الكبير.

تشعر الولايات المتحدة الآن بالقلق إزاء البراعة التكنولوجية المتنامية للصين. وتأسف الشركات لفقدان الإيجارات الاقتصادية الناجمة عن التفوق التكنولوجي والملكية الفكرية. ويقلق صقور الأمن القومي من العواقب الجيوسياسية المحتملة لتآكل التقدم التكنولوجي الأميركي. وتأتي التعريفات الجمركية على السلع الصينية جزئياً استجابة لهذه المخاوف والقيود المفروضة على الاستحواذات الصينية على شركات التكنولوجيا الفائقة الأميركية والتي تتصدى بشكل مباشر لهذا التهديد المتصور.

ولكن قد فات الأوان. إذا كانت حكومة الولايات المتحدة، في الثمانينيات والتسعينيات من القرن الماضي، قد منعت أي شركة أميركية من الاستثمار هناك، بدلاً من الضغط من أجل الانفتاح الاقتصادي الصيني، لكان صعود الصين قد تأخر بشكل كبير، على الرغم من أنه لم يكن من الممكن منعه بشكل دائم.

لأن هذا لم يحدث، فإن صعود الصين أصبح الآن مستقلاً. سوف يجعل السوق المحلي الضخم والمتنامي على نحو متزايد الصادرات أقل أهمية للنمو. فالأجور المتصاعدة بسرعة تخلق حوافز قوية لتطبيق أفضل الممارسات في مجال الروبوتات، وتعمل الشركات الصينية على تطوير المزيد من الابتكارات المتقدمة في مجالات الذكاء الاصطناعي، والمركبات الكهربائية، والطاقة المتجددة. وسيساعد برنامج «صنع في الصين عام 2025» الذي قدمه الرئيس شي جين بينغ في تعزيز التحول إلى التصنيع عالي القيمة الذي يدعمه البحث والتطوير المحلي الصيني. وحتى إذا أغلقت الولايات المتحدة أبواب التجارة والاستثمار، فإنها لن تحدث فرقاً يذكر في القوة الاقتصادية والسياسية المتزايدة للصين.

وهذا ليس صحيحاً بالنسبة للاقتصادات النامية الأكثر فقراً، مثل الهند وأفريقيا ككل، الذين يأملون محاكاة الصعود السريع للصين. تواجه هذه الاقتصادات بالفعل التهديد الذي يسببه التشغيل الآلي في إيجاد فرص العمل في المصانع الموجهة للتصدير. إن الأولوية الأكثر أهمية في ظل الاضطراب الحالي الناجم عن ترامب هو ضمان عدم تفاقم مثل هذه التحديات من خلال فرض قيود ضارة على التجارة.

* رئيس معهد التفكير الاقتصادي الجديد والرئيس السابق لهيئة الخدمات المالية في المملكة المتحدة ورئيس لجنة تحويلات الطاقة

طباعة Email