رفض الشعب التركيّ بشكلٍ واسع انقلاباً عسكريّاً على السلطة المنتخبة ديموقراطياً. وكان الشعب المصريّ قد انتفض بزخمٍ كبير ضدّ حكومة كانت أيضاً منتخبة ديموقراطيّاً.

هذه المفارقة في التحرّك الشعبيّ تطرح تساؤلاً يتصاعد بقوّة منذ انطلاق ما يسمى بـ«الربيع العربيّ». هل الشعب دوماً على صواب؟

ليس هذا التساؤل حكراً على منطقتنا بل برز كثيراً مع انتقاد الكثير من الأوروبيين تصويت البريطانيين لصالح الخروج من الاتحاد الأوروبي.

وفي واقع الأمر، إنّه تساؤلٌ قديم لطالما طرح ضمن امتحانات الشهادة الثانويّة في الفلسفة في كثيرٍ من بلدان الديموقراطيّات الغربيّة، مثله مثل «هل الأغلبيّة دوماً على صواب؟» أو «هل تتهرّب السياسة من متطلّبات الحقيقة؟» أو أكثر من ذلك «هل سنكون أحراراً دون الدولة؟».

الفلسفة التي يتمّ تدريسها في ثانويّات هذه البلدان تدفع إلى نقاش مفهوم «الشعب» وما يترتّب عليه من مفاهيم «الأغلبيّة» و«التعبير السياسيّ» و«المواطنة» و«الديموقراطيّة». وكذلك مفهوم «الصواب»، أي القدرة على الحكم على الأمور واستخدام الأساليب المناسبة وعدم الخطأ.

إضافة إلى البعد الزمنيّ فيما يخصّ كلمة «دوماً»، وما تتعرّض له البلدان والشعوب من تغيّرات ديموغرافيّة واقتصاديّة وسياسيّة وما يتبع ذلك من تحوّلات في الرأي العام.

وفي الحقيقة، ليس المطلوب من الطالب في هذه الامتحانات أن يقدّم إجابات مجهّزة مسبقاً، بل قياس قدرته على مناقشة تساؤلٍ يحتوي في جوهره تشكيكاً في المبدأ الأساسيّ للديموقراطيّة. تشكيكٌ موجودٌ منذ أفلاطون والديموقراطيّة الأثينيّة. كمن يدفع طالباً للمعرفة إلى الإيمان من خلال الشكّ، لا عبر الحفظ والتلقين.

من أجل هذا النقاش والتشكيك الإيجابيّ، يتمّ تعليم الطلاب أن يسبروا أفكار جان جاك روسّو الذي قال بأنّ «الإرادة العامّة للشعب لا يُمكن أن تُخطئ شرط أن تكون حرّة وغير مشوّشة». فكيف تكون إرادته حرّة في ظلّ تلاعب السلطة الحاكمة والدول ذات المصالح ووسائل الإعلام؟

وكذلك أفكار مونتيسكيو الذي يناقضه لأنّ «الشعب سيّد نفسه طالما توازنت إرادته باحترام القانون الذي يشكّل إرادته السابقة». ففي أيّ ظروف يمكن «للشعب» أن يكسر قوانينه وعقده الاجتماعيّ السابق ويثور عليهما؟ أفكارٌ تضع النقاش بين الحكمة والثورة، يلخّصها ألبير كامو في أنّ «الثورة ليست بحدّ ذاتها هي النبيلة، وإنّما ما تسمو إليه».

وفي جميع الأحوال، ليست الإجابة سهلة. فهل كان الشعب الألمانيّ صائباً عندما أتى بأدولف هتلر إلى الحكم عبر التصويت الديموقراطيّ؟ صحيحٌ أنّ ذلك الخيار أتى جرّاء ظروفٍ معيّنة من الفقر والفوضى في البلاد، إلاّ أنّ الشعب الألماني وشعوب دولٍ كثيرة دفعت ثمناً باهظاً للتخلّي عن الحريّات... ديموقراطيّاً. بالضبط كما دفع الفرنسيّون باهظاً ثمن تخلّيهم عن الحريّات بعيد ثورتهم على الملكيّة وسمحوا بتجاوزات «الإرهاب»، أو الروس كذلك بعد الثورة على القياصرة.

هكذا يسبر الطلاب بأنفسهم المفاهيم التي تأسّست عليها مجتمعاتهم؟ أيكمُن الأساس في الحريّات أم في الديموقراطيّة؟ الديموقراطيّة نظام سياسيّ وحسب، وهو أسوأها سوى كلّ الأنظمة الأخرى التي جُرِّبَت قبله، كما قال وينستون تشرشل. بالتالي، ليست الديموقراطيّة هدفاً بحدّ ذاته بمعزلٍ عن القرارات التي تنتجها في ظروفٍ تاريخيّة معيّنة،.

ويجب أن تكون وظيفتها، التشريعيّة والإداريّة، هي نقطة الانطلاق لأيّ محاولة تعريفٍ لها، بحسب لودفيغ فون ميزيس. أمّا بالنسبة لهربرت سبنسر فإنّ الإيمان بالديموقراطيّة يفترض إيماناً بأشياءٍ أعلى قيمة من الديموقراطيّة. ويضيف كريستيان ميشيل أنّه لا يجب القبول بقاعدة الأغلبيّة كمبدأ أساسيّ للدولة الديموقراطيّة إلاّ بقدر اصطحابه بالالتزام الصارم لحقوق الإنسان الطبيعيّة، التي لا يُمكن للأغلبية التعدّي عليها.

ويقرأ الطلاب كارل بوبر أنّ الديموقراطيّة هي وسيلة للحفاظ على دولة القانون. ولكن ليس في الديموقراطيّة من مبدأٍ يقول إنّ الأغلبيّة على حقّ.

لأنّ الأغلبيّة يُمكن أن ترتكب أخطاءً جسيمة. أن تأتي بطاغية أن تصوّت لطاغية، ولطالما حدث ذلك. ومن ثمّ لاكوردير أنّ للمواطنين حقوقاً فرديّة بمعزلٍ عن أيّة سلطة اجتماعية أو سياسية. وأيّ سلطة تنتهك هذه الحقوق تصبح غير شرعيّة. وحقوق المواطنين هي الحريّة الفرديّة، والحريّة الدينيّة.

وحريّة الرأي التي تتضمّن حقّ الإشهار بها، وحق التملّك، والحماية من أي تعسّف..سيادة الشعب ليست إذاً دون حدود؛ فهي تتأطّر ضمن حدود العدالة وحقوق الأفراد. وإنّ إرادة شعبٍ بأكمله لا يُمكن أن تجعل مُنصِفاً ما هو ظلم.

عن الحريّة، يقرأ الطلاب أيضاً آلان روب غرييه أنّ الحريّة لا يُمكن أن تصبح مؤسّسة. إذ لا توجد الحريّة إلاّ عبر حركة انتزاع الحريّة. وكذلك جان ميشيل فيل قائلاً: «كتابة كلمة حريّة على رمال الشاطئ هي بحدّ ذاتها فعل حريّة. وحتّى لو محا البحر هذه الكتابة فإنّ الحريّة ستبقى». وكذلك روزا لوكسمبورغ أنّ الحريّة هي دوماً حريّة الآخر.

ومثل ذلك سورين كيركغارد ساخراً: «كم الناس سخفاء! إنّهم لا يستخدمون الحريّات التي يملكونها وها هم يطالبون بالحريّات التي لم يحصلوا عليها. لديهم حريّة التفكير بما يشاؤون وها هم يطالبون بحريّة التعبير»! ثمّ جان بول سارتر أنّ الحريّة في النهاية هي خيار.

هذا السبر هو الذي يخلق لدى أبناء هذه البلدان الخيال الجمعيّ، أي الطريقة التي يتشارك بها الناس العاديوّن في النظر إلى محيطهم الاجتماعيّ ويُضفي الشرعيّة على ممارساتهم.

كم هو مفيدٌ بالنسبة لمناهج التعليم في البلدان العربيّة دفع الطلاب إلى الحكم بأنفسهم على أسئلة تشكيكيّة لا إجابات جاهزة لها، وأن ينهل هؤلاء الطلاب تعليماً يأخذهم إلى أسمى ما في الفكر الإنسانيّ والعربي والإسلاميّ من دفاعٍ عن الحريّة والمساواة.

عندها ستضحى ربّما الإجابة بسيطة. أنّ الشعب دوماً على صواب عندما تتوفر لكلّ من فيه حريّاته وللآخرين حريّاتهم.

* رئيس منتدى الاقتصاديين العرب ورئيس تحرير سابق لنسخة «لوموند دبلوماتيك» العربية.