تتناول عمليّة التـــفاوض الشاقّة للوصول إلى اتفاقية دوليّة لخفض انبعاثات الاحتباس الحراريّ مواضيع معقّدة ترتبط بهيكليّة الاقتصاد والصناعة والزراعة والغابات في كلّ بلد وأولويّات تنميته الاقتصاديّة. والتوفيق بين مصالح الدول والشركات المنتجة العملاقة أمرٌ صعب، كما متابعة تنفيذ الدول والشركات لالتزاماتها حتّى لو أتت من توافقات بالحدّ الأدنى.

وفي حين تبنّى بعـــض قادة العالم، مثل الرئيس أوباما، ضرورة الوصول إلى اتفاقٍ دوليّ شامل كأولويّة مصيريّة لمستقبل البشريّة، تبرز معارضة شرسة لهذا التبنّي من قبل الكثير من الأوساط السياسيّة والصناعية، تأخذ صداها في الكونغرس الأميركي.

حجّة هؤلاء المعارضين أنّ الجهد الدوليّ الذي يبذل دوليّاً من أجل التوافق يبقى عبثيّاً، لأنّ الإنسان، ويقصدون هنا خاصّة مراكز الأبحاث الأميركيّة، سيبتكر تقانات تعالج الاحتباس. وستصلح البشريّة ما خرّبته عبر «هندسة المناخ»، وبكلفة أقلّ بكثير من كلفة إجراءات الخفض القسريّ للانبعاثات.

ليست فـــكرة التـــلاعب بالمناخ جديدة. إذ تمّ إثبات أنّ الولايات المتــــحدة تلاعبت بالطقس خلال حرب فيتنام، لتجعل الأمطار الموسميّة أكثر غزارة وتستمرّ لفترة طــويلة كي تغرق مسالك ثوار الفيتنام (الفيتكونغ) عبر الغابات ويتعرقل نقل السلاح عبرها. ما سمّي حيـــنها «عملية بوباي».

كما استخدم الاتحـــاد السوفييــتي التلاعب بالطقس كي تشرق الشمس دوماً خلال الاحتفالات العسكريّة وكي ينزل المطر في المناطق الجرداء وينمو الزرع. كما استخدمت الصين وبعض البلدان العربيّة هذا التأثير بالمناخ، مثلاً لتلطيف الجوّ أثناء الحجّ.

ميّزة تقانات «الهــندسة المناخيّة» أنّها بسيطة وتعتمد نثر بعــــض رذاذ المواد والشوارد على ارتفاع السحب وفي الغـــلاف الجـــويّ، ويمكن أن تكون بمتناول جميع الدول، حتّى لو كان مستواها التقنيّ ضعيفاً نسبيّاً. إلاّ أنّ أثـــرها قـــد يصـــل إلى تغــــيير المناخ ليس في الدولة المعنيّة وحدها، بل على مستوى كلّ دول الجوار، أو على مســتوى الكرة الأرضيّة والبشريّة جمعاء.

بالتالي يطرح استخدام «الهندسة المناخيّة» مسألة جوهريّة، هل يحقّ لدولة أو لشركة أو لأحد قادة البلدان أن يغّيروا مناخ البشريّة جمعاء؟ أن يجعلوا أرضهم خضراء وأرض آخرين إلى صحارى؟ وفي حين يتمّ النظر جديّاً في استخدام هذه التقانات لإزالة ثاني أكسيد الكربون أو لإدارة وقع أشعّة الشمس، من سيتحمّل المسؤوليّة إذا ما أتى هذا الاستخدام بآثارٍ سيّئة؟ خاصّة وأنّه لا يُمكن اختبار هذه التقنيّات بشكلٍ واقعيّ لمعرفة الآثار، كما يُختبر الدواء.

عام 1976 وقّعت 85 دولة على اتفاقية للأمم المتحدة تحـــظر استـــخدام تـــغيير المناخ لأغراض عسكريّة أو عدائيّة. ولا تشمل قائــــمة الدول المـــوقّعة والمــصادقة إسرائيل. إلاّ أنّ المصادقة عليها لا تُلغي المخاطر، بما فيها الفصل بين الاستخدام المدنيّ والعسكريّ.

لكن الخطر الأكبر هو أن يُبطئ الأمل بتطوير تقانات «الهندسة المناخية» الجهود اللازمة لخفض الانبعاثات وأن يدفع ضمنيّاً إلى التقليل من طموحات أهداف التوافق الأمميّ التي يُمكن أن يصل إليهـــا مثـــلاً مؤتمر المناخ الدوليّ COP 21 المنعقد في باريس.

وهنا يجب التذكير أنّه لطالما تمّ إنكار حقيقة الاحتباس الحراريّ وثقب الأوزون، حتّى من قبل مراكز أبحاث مشهورة وعلماء مرموقين. أمّا اليوم، وبعد أن تمّ إثباته باختبارات كثيرة، وبما أنّ كلفة معالجته كبيرة اقتصادياً واجتماعياً وكذلك سياسياً، تحوّل الإنكار السابق إلى تحفيز «الهندسة المناخيّة»، تهرّباً من اتفاقيات كيوتو وغيرها.

هذا بالرغم من الانتقاد القاسي لمجموعات أخرى من الباحثين وصلت إلى تسمية هذه الهندسة «بالقرصنة المناخيّة»، ساخرة من أنّها تعني أنّ البشر بدل أن يتوّقفوا عن رمي النفايات بشكلٍ كبير سيضرّ بأولادهم وأحفادهم، يجب أن يعالجوا الأمراض التي ستتولّد من هذه النــفايات بعقاقير لا تُعرف تأثيراتها. في سعيٍ حثيث للإنســـان من أجل السيطرة على الطبيعة.

مهما ستكن نتائج مؤتمر COP 21 فهي لن تعالج جوهر مشكلة الاحتباس الحراريّ بل يمكن أن تُبطئ من وتيرتها. لذا سيبقى هذا الجدال بين التعاون الدوليّ لخفض مسببات الاحتباس وتطوير «هندسة مناخية» تــــعالج الآثار قائماً في المستقبل المنظور.

 وهو يعني الدول العربيّة بشكلٍ خاصّ، بما في ذلك لدرء زحف الصحراء على «الهلال الخصيب» وشمال إفريقيا، وللحفاظ على دلتا النيل أمام الارتفاع التدريجيّ لمستوى البحر المتوسط. كما يعنيها لأنّها تساهم بشكلٍ كبير في هدر الطاقة والتلوّث، أكثر بكثير من الوسطيّ العالميّ.

* رئيس منتدى الاقتصاديين العرب، ورئيس تحرير سابق لـ لموند دبلوماتيك (النسخة العربية)