يصادف العام الجاري حلول الذكرى المئوية لاندلاع الحرب العالمية الأولى، ويُقال إن العام الذي شهد اندلاع تلك الحرب هو الأسوأ في تاريخ البشرية. ولكن هل أصبح العالم مكاناً أكثر أماناً بعد مرور مئة عام؟ إن الحرب العالمية الأولى لم تخلف نحو أربعين مليون قتيل فحسب؛ بل وقد يُنظَر إليها باعتبارها مقدمة للحرب العالمية الثانية.

فلو كان من الممكن تجنب التضخم المفرط في ألمانيا في عشرينيات القرن العشرين - والذي كان نتيجة مباشرة للحرب العالمية الأولى - فما كان هتلر ليتمكن من الصعود إلى السلطة..

وما كانت الحرب العالمية الثانية لتندلع. ولكن اغتيال الأرشيدوق النمساوي فرانز فرديناند في سراييفو في 1914 كان سبباً في إطلاق سلسلة متوالية من إراقة الدماء والتي بلغت حصيلتها نحو مئة مليون قتيل بحلول عام 1945 وتسببت في معاناة إنسانية على نطاق لم يكن من الممكن تصوره من قبل قط.

بطبيعة الحال، بحثت أجيال من المؤرخين بكل دقة في أصول الحربين العالميتين وكتبوا بتأنق حول استنتاجاتهم. ولابد أن يدفع هذا التاريخ خبراء الاقتصاد وصناع السياسات اليوم إلى التأمل في المقايضات الصعبة بين الكفاية والقوة عندما يتعلق الأمر بالحكم العالمي.

الواقع أن سلوك مسار متطرف في أي من الاتجاهين سوف يكون فكرة سيئة. فمن المستحيل أن نتجنب كل المخاطر، ومن المؤكد أن مستوى الكفاية المتولد عن القوة المفرطة من شأنه عند نقطة ما أن يخلق المزيد من مخاطر الانهيار. وبالتالي فإن الحد من مخاطر اندلاع حرب كبرى أو أزمة كساد أو الانهيار المالي يتطلب من صناع السياسات إيجاد التوازن الأمثل..

وهذا يتطلب المزيد من مناقشة أكثر وضوحاً للمقايضة بين الكفاية والقوة. إن السياسات كثيراً ما تُعرَض حالياً من دون أي ذكر للتكاليف من حيث الكفاية أو القوة..

ولن يكون مجرد الوعي بهذه المقايضة كافياً لصناعة القرار الفعّال. ولعل ذكرى الكارثة التي اندلعت في عام 1914 تلهم الناس التفكير بعمق في الكيفية التي يمكن بها تجنب المخاطر الكبرى من دون الاضطرار إلى تكبد الثمن الباهظ المتمثل في خسارة الكفاءة والدينامكية من أجل ضمان القوة والمرونة. والآن، كما كانت الحال في عام 1914، فإن مصير العالم يظل غير محسوم.

 * وزير الشؤون الاقتصادية السابق في تركيا ومدير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي سابقاً