مما يؤثر عن الإمام ابن حجر العسقلاني قوله: «من تكلّم في غير فنِّه أتى بالعجائب»، وبذا يكون من أوائل من تحدّث صراحة عن أهمية التخصّص وعدم محاولة لعب دور «أبو العُرّيف» في كل شيء، وهو الأمر الذي يجهله كثيرون من المنتسبين للمجال الرياضي وبالذات «بعض» اللاعبين المعتزلين الذين يتوهمون على غفلةٍ من الزمن أنهم قد أحاطوا بكل شيء عِلماً!

لو أنّ هذا اللاعب المعتزل قد اتجه للتدريب فلا لوم عليه ولا تثريب، ولو انتحى للانضمام للجهاز الإداري التابع للجهاز الفني فلا خطأ في ذلك لأنه سيلعب دوراً في التقريب بين عقلية المدرب «الأجنبي غالباً» وطبيعة لاعبينا والثقافة والبيئة التي أتوا منها بحكم خبرته الطويلة مع مدربين مشابهين وما صَلُحَ من أساليب وما لم يصلح، لكن المصيبة الكبرى و«المهببة» عندما يظن أخونا اللاعب المعتزل أنّ الإدارة قريبة من التسديدة، والتخطيط شبيه بـ«السلايت»، والاستراتيجيات لا تختلف كثيراً عن تبادل القمصان بعد المباراة!

أنديتنا لا تتطوّر لأن هناك وصاية عليها من عدد من اللاعبين المعتزلين، والذين لا يحتملون أفول الأضواء عنهم أو غياب هتاف الجماهير بأسمائهم، فلا يتورعون حينها عن القفز على ظهر المسرح الكبير والمتمثل في المناصب الإدارية الكبرى للعودة مجدداً لدفء الشهرة ولا يهم إن لم تتوافر فيه ولا حتى «ريحة» قدرات ومهارات قيادية وإدارية، فهي ستأتي مع الوقت وقد يقوم بها السكرتير أو حتى «الدريول»، المهم أنه لكل مشكلة حل ووجود عدد من «الربع» النشطاء في المنتديات كفيل بجلب التصفيق والتأييد حتى لو كان الوضع كما قال المثل المحلي: «سارت تبا قرون ردّت من دون عيون»!

من يفتقد أبسط أبجديات التخطيط السليم والفكر الإداري الحديث والقدرة التأثيرية في الآخرين، لا يمكن أن يقود مؤسسة رياضية أو غير رياضية إلا لمزيد من الفشل والتخبط والعنتريات الجوفاء والغرق في ردود أفعال متشنجة تجاه أمور تحتاج سعة بال وسعة أفق وسعة علم، ومن كان لا يقدر على الكلام بعد المباريات إلا بـ«الحمد لله والحمد لله والحمد لله» دون أن تسمع جملة مفيدة من سيادته، لا يُعقل أن يصبح فجأة مؤهلاً للتحكم بمصير نادٍ ومصير مستقبل أجيال من الناشئين والشباب، لا لشيء إلا لأننا «متلوّمين» ومحرجين من سيادته أن يعتزل ويرحل بهدوء كما يرحل النجوم في بلاد الإفرنج!

إن من يحب ناديه بصدق يجب عليه ألا «يدق صدره» ويزاحم من هم أكفأ منه بمراحل في مجالهم كما لم يزاحموه في مجال كفاءته وهو ركل الكرة أو ركل اللاعب المنافس، فوجود سيادته في المكان الخطأ مدمّر تنظيمياً ومؤخر لمراحل التطوير، ولا بد عليه أن يعي أنّ لكل زمانٍ دولةٌ ورجال، فزمنه قد ولّى وهذا زمنُ غيره، وخيرُ ما يفعله أن يبتعد بهدوء إن لم يَرُق له الانضمام للأجهزة الفنية، فالقدرات القيادية والتخطيطية لا يمكن شراؤها من السوبرماركت أو الحصول عليها فجأة بمجرد أخذ ذلك المنصب وكأنها من قطع الديكور الموجودة بالمكتب، فاعتزل حقاً بارك الله فيك، ولا تخرج من الباب لتدخل علينا من النافذة!

نقطة مهمة:

عزيزي القارئ، فكّر في «ما» أقصد وليس في «من» أقصد، والله الموفق.