في الثمانينيات كانت كرة القدم في ذروتها جماهيرياً، ليست لديّ إحصاءات بشأن ذلك، لكن الذكريات مقارنة بمشاهد الملاعب والمدرجات حالياً تشير إلى ذلك بوضوح، ومن المؤكد أن هناك الكثير ممن يتفق معي حول ذلك خاصة أولئك المخضرمين، ممن عاصروا تلك الأزمنة وتواجدوا سابقاً في مدرجات الملاعب وأروقة الأندية، من لاعبين وإداريين وإعلاميين، وجماهير وأطقم فنية، وكانت الملاعب دائماً مزدحمة من دون استثناء من أبوظبي إلى دبي، وفي بعض المباريات لا تجد موطئ قدم، وفي تقديري أن السبب الرئيس لذلك هو أن الأندية كانت هي المكان الأمثل، وربما الوحيد للترفيه والتسلية، ومن دون أن نتجاهل فنيات اللاعبين المواطنين وولائهم، وكذلك الأجانب وجنسياتهم ومهاراتهم النوعية.

ولكن منذ ذلك الحين ماذا حدث في الإمارات، خلال أكثر من ثلاثين سنة، قطعت دولتنا مسافات تقطعها دول أخرى وحضارات في عشرات السنوات، من دولة مغمورة إلى دولة مرموقة، ومن دولة تعيش بها جنسيات محدودة إلى دولة عالمية، ينعم على أرضها أكثر من 200 جنسية، طيران عالمي، وأعلى برج، وأغلى سباق، وأفضل المراكز وأجمل المتنزهات، وأنظف الشواطئ، وشركات عالمية، واستثمارات دولية، وأكثر من ذلك بكثير، دولة الإمارات دولة عالمية..

وواضح جداً أن كل شيء تغير وتطور وأصبحت البدائل كثيرة، متعددة ومتنوعة ومتاحة، ولكن كرة القدم كما هي ومن لا يتقدم يتأخر، وخاصة عند مقارنة الإمكانات بالإنجازات، وواضح أن الفارق واسع وشاسع، وبعد ذلك أصبح الهرم مقلوباً، وبعد أن كانت الجماهير تتهافت على الملاعب، أصبحت الملاعب تشتاق إلى الجماهير..

ويبدو أنه لولا ضغط المعايير والشروط المفروضة قارياً وعالمياً ستظل الأمور ساكنة، فهل نحتاج إلى تغيير شخصية الدوري الإماراتي من محلي إلى عالمي ؟ لا نريد أن ندور في نفس الدوامات كل خمس سنوات، وبعض الأحيان كل خمس مباريات، العدد المناسب للاعبين الأجانب في دوري الإمارات هو أربعة، لا بل اثنين وربما ثلاثة، وعدد الفرق أربعة عشر، لا عشرة ولكن ما رأيك في إثني عشر نادياً، نقاش في نفس المجال لا يخرج عن الصندوق رتيب وعادي ومن دون خيال، فمن أين سيأتي الجديد ؟ والجميع يخاف من الجديد، ومن المخاطر التي قد تختفي خلف الجديد..

وغير العادي، ومن دون مخاطر لا توجد مكاسب، بل فقط خسائر، ومن دون رؤية لا يوجد هدف، ولنا في صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، لنا في سموه قدوة، ولابد من فكر جديد، نحو غدٍ جديد، التفكير العادي يؤدي إلى نتائج عادية، والتفكير الخيالي يؤدي إلى نتائج خيالية، ولهذا أصبحت دولة الإمارات دولة ذكية ودولة خيال.

قد يكون اقتراحي هذا استثنائياً، وأتوقع أن يكون مرفوضاً من الجميع، إلا أن دولة الإمارات تحتاج إلى دوري عالمي، دوري يتواجد فيه اللاعبون الأجانب بقوة وبكثرة، وربما سبعة في الملعب ومن مختلف الجنسيات ووفقاً لأنظمة تحدد المعايير وتوفر التنوع، ونستطيع من خلالها أن نجعل دوري كرة القدم في دولة الإمارات، يتناغم مع حاضر الدولة ورؤيتها ومستقبلها، رياضياً واجتماعياً واقتصادياً وفي كافة مناحي الحياة، والتكاليف قد تكون باهظة، لكن العوائد ستكون مجزية، ولا شك في أن عصر الاعتماد على المعونات المالية الحكومية للأندية قد انتهى..

والمشاريع في الحياة أصبحت استثمارية بلا شك، والنماذج واضحة جداً في الأندية العالمية من المستثمرين وملاك أسهم الأندية، ودولة الإمارات تزخر وتفخر بالمؤسسات الاستثمارية العملاقة، اتصالات، إيمال، إعمار، أدنوك، دو، طيران الإمارات، طيران الاتحاد، وغيرها كثير جداً، وأهدافها استثمارية ووطنية وعليها مسؤوليات اجتماعية، والنماذج العالمية واضحة جداً، وناجحة جداً.

وقد يبدو الموضوع غير بسيط وصعباً ومعقداً، وقد يقول البعض إن لهذا تأثيراً واضحاً على فرص اللاعبين المواطنين، ولكن هنا تكمن الفرص ومن خلال تحويل العقبات إلى تحديات، واللاعب المواطن الفذ لديه فرصته ولن يقف أحد في طريقه، وهذه فرص للاحتراف الحقيقي داخل دولة الإمارات، وليس خارجها ولمصلحتها، كما أنه يمكن تطوير دوري الرديف إلى الدوري الوطني وقد يكون لهذا مقال آخر مستقبلاً.