ثلاثي الأبعاد

حوكمة الرياضة

ما يميز مؤسساتنا الحكومية هو بحثها لكل ما هو جديد، وسعيها نحو تطبيق أرقى المواصفات العالمية خصوصا خلال العشرين سنة الماضية، وكم هي كثيرة العلوم الإدارية الحديثة فلا يكاد يمر عقد من الزمان حتى يلج في الأفق علم جديد، فعلى سبيل المثال لا الحصر، الكل يتذكر بدايات تطبيقنا للجودة وتحولنا بعد ذلك نحو تعزيز ثقافة التخطيط الاستراتيجي ومؤشرات الأداء وإدارة المؤسسات برؤية تدعمها أهداف واضحة وخطط تشغيلية طموحة وقياسها بموضة بطاقات الأداء المتوازن القائمة على المحاور الأربعة، وفجأة انقضت مؤسساتنا على علم التميز المؤسسي والمعايير الأوروبية في الجودة الشاملة الت EFQM وغيرها كثير.

ولو طرحنا تساؤلاً حول موقع مؤسساتنا الرياضية سواء على المستوى الاتحادي أو المحلي بما فيها المجالس والأندية والاتحادات واللجان الرياضية؟ لاستطعنا الإجابة بأن معظم هذه المؤسسات ليست بمعزل عن جميع ما سبق والدلائل كثيرة ومنها تطبيقها لمعايير التميز وإعلان الخطط الاستراتيجية وتنظيم مختلف الجوائز وتطبيق أنظمة الآيزو والحصول على مختلف الجوائز العالمية والإقليمية، وبمقارنة بسيطة بين ما نراه اليوم وحال مؤسساتنا الرياضية قبل عقود لوجدنا الفارق كبيرا ما بين القمة والقاع.

ولكن مع ظهور مصطلح إداري يصفه البعض بالعلم الجديد ويطلق عليه (الحوكمة)، هذا المصطلح الذي يبدو سلساً في نطقه ويعتبره البعض سهلا في إرسائه ويؤكد آخرون أنهم ماضون منذ مدة بتطبيقه على ارض الواقع والله أعلم، حيث تفاجأ بأن الكثيرين من المسؤولين الرياضيين بعيدون كل البعد عن مضمون هذا الفكر الجديد فمؤسساتهم مازالت تتأرجح ما بين البيروقراطية والأنظمة الحديثة بطريقة تثير الدهشة.

وتتطلب المتغيرات العالمية في المجال الرياضي من القائمين على مؤسساتنا الرياضية العمل على إرساء مبادئ الحوكمة السليمة لاسيما بعد الثورة العالمية والمعلوماتية والتقنية وتزايد أدوار المنظمات الدولية بما فيها الرياضية حيث تتمحور جلّها نحو إرساء الكفاءة والفعالية في إدارة الموارد وتعزيز المشاركة والشفافية والالتزام بالقوانين العادلة النزيهة والاستجابة لمتطلبات المتعاملين والشركاء والإيمان بالعدالة والمساواة والاستعداد للمحاسبة، فهل مؤسساتنا الرياضية على أهبة الاستعداد لتطبيق كل ذلك؟!.

ومن وجهة نظري فإن بعض تلك المبادئ مطبقة فعليا ولكن بطريقة معتمدة على الفردية منها على التنظيم المؤسسي السليم الذي يضمن الاستمرارية والاستدامة مع تغيّر مجالس الادارات، وللعلم فإن تحولنا نحو الاحتراف وتطبيق نظام الشركات في أندية كرة القدم تفرض تطبيق مبادئ الحوكمة خصوصا إذا عرفنا أن الأزمات المالية هي من دفعت نحو الاهتمام بهذا العلم.

وللتذكير مازالت دول العالم تعاني من مناداة اللجنة الاولمبية الدولية والفيفا بعدم تدخل الدولة في عمل الاتحادات الرياضية وتأكيدهم على فصل السياسة عن الرياضة واستغلته تلك المؤسسات العالمية بفرض وصايتها وشروطها على مؤسسات الدول وإيقاف العديد منها وفرض سلطتها عليها بطريقة استفزازية، ولكن بدون تعليق فهذه هي الحوكمة يا حبيبي!!.

فهل ستتغلغل تلك المبادئ في مؤسساتنا الرياضية؟ أقول نعم، مع نصيحتي بالبدء الفوري نحو تكييف تلك المبادئ مع ظروفنا المجتمعية حتى لا تقع الفأس يوماً في الرأس.

همسة:

" كثيرة هي المؤسسات العالمية في مظهرها التقليدية في مضمونها!!"

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات