كانت زيارة تسوقية عادية الى الجمعية التعاونية، جمعية هايبرماركت متعددة الأقسام وبها عشرات الكاونترات، لكنها ترددت في دخول الجمعية، بل لم تدخلها وعادت أدراجها، ازدحام شديد وكأنك في الطواف حول الكعبة في رمضان، ولكنهم ليسوا معتمرين، لقد كانوا مدججين بجبال من البضائع، وبدون مبالغة كلها تقريباً مواد غذائية وبمبالغ مالية تستنزف الموازنة الشهرية كاملةً دفعة واحدة وربما أكثر، وبلاشك أنها الجولة الأولى لهم وهناك جولات أخرى لامحالة فهذا رمضان وهوالشهر الكريم، وعند الكثيرين منا هو شهر الطعام فقط وليس شهر الصيام.
وفي الواقع هو فعلاً شهر الطعام، إطعام المساكين والفقراء ممن هم في الأصل صيام طوال العام، ولكنه ليس شهر التخمة واللقمة خلف اللقمة، بل اللقمة فوق اللقمة، والمعدة لها حدود وحجم محدود، وهي ليست فقط للغذاء ولكن أيضاً للماء وللهواء، ويجب أن يكون ذلك بالتساوي وهو الوضع الأقرب الى المثالي، وكما يقول الرسول محمد صلى الله عليه وسلم (ما ملأ إبن آدم وعاء شراً من بطنه، بحسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه، فإن كان لا محالة، فثلث لطعامه، وثلث لشرابه، وثلث لنفسه) ويقول (نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس، الصحة والفراغ ) ويقول (صوموا تصحوا) فالصحة مهمة بل هي نعمة، والصحة تحتاج الى إدارة وصيانة من خلال العناية بالغذاء أولاً، واستثمار بعض الفراغ في الرياضة وفي النشاط البدني لتحقيق التوازن المطلوب بين الطاقة الواردة للجسم والطاقة الصادرة منه، وهناك الكثير من الحكماء ممن لم يحتاجوا إلى الأطباء ولا إلى الدواء نتيجة توازنهم في الغذاء وتواصلهم مع ربهم بالدعاء في رمضان وفي غير رمضان.
وعودة الى قصة الأخت المتسوقة، فقد استكملت لي قصتها، فهي قبل أن تغادر المكان قالت سأنتظر قليلاً ربما يخف الازدحام وأتسوق ولو شيئاً يسيراً، جلست على المقعد العام وجلس بجانبها شابان، أحدهما يبدو رياضياً، والثاني يبدو في هواه ماضي، ودار الحديث بينهما، فقال الأول، هذا شهر الصوم وهو فرصة مناسبة لبداية تنظيم الحياة ومنها ممارسة الرياضة البدنية والمحافظة على الصحة واللياقة، والموازنة بين فريضة الصيام وسنة صلاة القيام، وكذلك بين كمية الطعام مع حركة الأقدام، شو رأيك على الأقل نبدأ معاً بالمشي ولو شوي، وهو خفيف ومناسب وسهل ومفيد، وكل سنة تقول السنة القادمة وبعدين تأجل، وأخاف أن يأتي يوم وتندم، ويمنعك الطبيب عن بعض الأغذية وتحتاج الى الكثير من الأدوية، لا تنسى شهر رمضان فرصة لكل إنسان لترجيح كفته في الميزان، ليس الروحي فقط، بل الصحي أيضاً، قال الثاني شكراً يا صادق وسأبدأ الآن في شعبان، ومع نهاية رمضان سأكون قد تخلصت من الدهون والأوزان، وسأبدأ حياة رياضية جديدة مثل ما سأبدأ حياة روحانية جديدة، قالت صاحبة القصة في نفسها، لو صدق ونوى وعزم وبدأ فعلاً وواصل سيكون قد ولد من جديد، فالالتزام نور، والصحة هي نعمة من نعم الحياة.
نعم، شهر رمضان ليس شهر الأكل والسهر، هو شهر العمل والصبر، وممارسة الرياضة مفيدة وممتعة في رمضان، عبادة الصوم هي فريضة، وهي في ذات الوقت رياضة، وكذلك صلاة التراويح وهي عنوان شهر رمضان، رياضة روحية ورياضة بدنية، وفي كلتا الحالتين أنت تخلص حياتك من السموم، السموم الأخلاقية والسلوكية والسموم الغذائية والجسدية، ولابد أن تستعمل الميزان في رمضان وطوال العام إلى شعبان، لا بد أن ترجح كفة حسناتك إلى أقصى حد في رمضان وتكون سيئاتك في أدنى حد ولا بد أن تحافظ على هذا التفوق إلى ما بعد رمضان، ولا تنس أن تزن وزنك، دهونك وكيلوغراماتك، هي سيئات أيضاً، هي سيئات صحية، ورمضان فرصة للتخلص منها، ورمضان هو لضبط المعدة كما هو لضبط النفس، وكلها تحتاج الى وعي وإرادة والتزام وحكمة عقل.
ولقد وردت في القرآن الكريم عدة كلمات توحي لنا بعلاقتها بالرياضة مثل؛ سارعوا، سابقوا، فليتنافس المتنافسون، الفائزون، ومثل ما هي أساساً نتداولها ونتحمس بها في الممارسات والمناسبات الرياضية، فالأولى وهو الأصل أن تكون هي منهجنا في أعمال الخير والطاعات في شهر رمضان، ويظل الرياضيون هم قدوة في المجتمع، والرياضة خُلق قبل أن تكون عرق، والحمد لله الذي بلغنا وإياكم شهر رمضان.