بعد تجاوز المنتخب الوطني الجميل عقبة البحرين صاحبة الأرض كانت إحدى القنوات تستضيفُ على عُجالة نجمنا عمر عبدالرحمن لتسأله عن الطموح القادم فكان ردّه بسيطاً و عفوياً : «طموحنا أن نفوز و نفوز و نفوز!» ، لا أدري لماذا تذكّرت حينها لاعباً آخر في السنين العجاف و الذي رد باستغراب على المذيع الذي شكى مثلنا من كثرة الهزائم ، حيث لم يمر فريقٌ لم «يمرمطنا» و «يغسل شراعنا» خلالها ليقول : « أنتو كله تبون تفوزون ؟» !
الفارق شاسعٌ بين الفِكرَين ، و الثقافة التي يعتنقها الجيل الجديد «للأبيض» الممتع هي ما أفرز ذلك الجواب البعيد عن التعقيد و التنظير وتخفيض سقف الطموحات ، وهي ثقافة لم توجد بين ليلةٍ و ضُحاها ، لم تولد من خلال القرارات العنترية ،وردود الأفعال اللحظية.
فما حدث للمنتخب أنّه مر بمراحل متدرجة ابتعدت عن الاختزال الممجوج أو القفز للمجهول من أجل استباق قطف الثمار الكبيرة قبل المرور بالمراحل الأولى حتى يشتدّ العود و تنضج التجربة ، و بقيت المجموعة كما هي دون مساس إلا في مساحاتٍ بسيطة و بنفس الجهاز الفني و كادره الإداري ، فحدث التناغم و نشأت روحٌ مشتركة تقوم على الفهم المتبادل بين عناصر المجموعة و تشترك بذات الفكر وتؤمن بأنّه لا سقف للأحلام طالما صدق الجميع في الجهد و في الإيمان بقدراتهم كأفراد و كفريق.
** هذه المجموعة المتناغمة و المؤمنة بقَدَرِها كبطل و المُتشبعة حتى أذنيها بعقيدة أنّ الحظ الحسن يختبيء خلف العمل المضني ، كانت طيلة سنواتها تُجندل خصومها و تحوز قصب السبق بدءاً من الناشئين مروراً بالشباب ثم المنتخب الأولمبي و الذي أبهر المتابعين في لندن قبل أن يجد نفسه أهلاً لارتداء شعار الوطن كممثل أوّل لتكون باكورته كأس الخليج وتسطير ملحمةٍ صفق لها الجميع ، و تغنّى بها الكل ، و تغزّل بتفاصيلها و بعروض الأبيض الممتعة .
و بعد أن كانت مدرجات مباريات المنتخب في الديار ينعق فيها البوم ، رأينا الألوف تشدّ رحالها للبحرين في مشهدٍ أثبت أنّ الناس تتعلّق بمن هو أهلٌ لحمل أحلامها ، فالبضاعة الجيّدة لا يتوانى في المسارعة لها أحد ، كما أنّ التطبيل لمن بان قصوره و كَثُرَت سقطاته لا يُجدي نفعاً و لا يُغري أحداً على الحضور .
** إنّ النجاح ليس لوغاريتماً معقداً يصعب فك رموزه، و ليس مطلباً يستحيل نيله ، لكنّه أيضاً ليس حقّاً مُشاعاً تصله يد كل متطاولٍ حتى لو قَصُرَت قدراته و هَزُلَ تأهيله ، كما أنه أيضاً لا يُجلّب بالمانشيتات الرنانة ،و خُطب المؤتمرات الصحفية التي تَعِدُ بكل شيء ثم لا نلبث أن نصحو على اخفاق ينضم لإخوته الذين سبقوه ، لتخرج علينا نفس الأصوات لِتُبرّر و تؤكد بتغيير الخطط و أنّ الدرس قد تم استيعابه.
و أنّ ما حدث لم يكن سوى كبوة جواد ، لتمر الأيام و يتم اجراء عشرات عمليات ترقيع «الرباط الصليبي « لِرُكب الجواد المسكين لكثرة سقطاته ، و رغم ذلك لا تتوقف التصاريح المطمئنة و التي وَعَت الدروس و هي تجرجر الجواد «الغلبان» وراءها ، و كأني بمارك توين لم يكن يقصد سواهم من أبطال الكلام عندما قال : «الضوضاء لا تُثبتُ شيئاً ، فحتى الدجاجة التي تضع بيضة تُحدث ضجيجاً و كأنها وضعت نيزكاً « !
** نجح الأبيض لأنّ بناءه كان سليماً و رعايته كانت صحيحة ، فلم يتم استباق موسم القطاف ،ولم يتم تغيير مدربه عند أول خسارة حتى لا يحدث خللٌ في بناء شخصية الفريق أو هزٌّ غير مبرر لبناء «الثقافة» الخاصة به ، فتم - فضلاً عن زيادة التفاهم و التكامل بين عناصره - إفراز عاداتٍ و قيمٍ ايجابية تشبّعت بها عناصر الفريق و عاشت بها فعلاً ، فطموحهم في كل مشاركة الفوز .
ووسيلتهم الجهد العالي و الاستعداد التام و اغفال الـ»أنا» من أجل «نحن» ، فلا بحث عن مجدٍ شخصي على حساب نجاح المجموعة ، فرسخت الثقافة هذه لأنها أُعطيت مدّة كافية لتنضج ثم تؤتي ثمارها كما اشتهاها من خطّط لها لذلك لستُ قلقاً أن يعقب هذا النجاح اخفاقٌ كالمعتاد لهذه المجموعة تحديداً مثلما حدث كثيراً في السابق فالبناء هذه المرة سليم و ما حدث ليس سوى باكورة موسم القطاف شريطة أن لايحدث تغييرٌ كبير لأي من عناصر هذا الكيان «المؤسسي»
** اللافت أيضاً و المستفاد من هذه التجربة الوطنية الناجحة الإيمان بقدرات القائد المواطن ، فما صنعه مهدي علي يستعصي على الخواجات الذين يأتوننا بسيرة ذاتية «يربع فيها البعير» و لكن بدون طموحٍ إضافي أو معرفة بالمجتمع و خصوصياته و مفاتيح قدرات أبنائه ،و يشير مساعدو مهدي و لاعبوه إلى ولعه بالتخطيط لكل شيء و عدم ترك الأمور للصُدَف و حبه اللاهث لدوام التعلّم وتطوير أساليبه و قدرته على إلغاء فكرة «التشكيلة الأساسية» و ثقته الكبيرة بنفسه والتي نأت به عن التأثر بسفسطة المشكّكين .
** إنّ عُمَر عندما قال أنّهم كلاعبين يطمحون للفوز دوماً كان يُجسّد "ثقافة" ترى النجاح رحلةً ممتعة لا تنتهي ، وليست محطة يصلون إليها ثم يُعلّقوا أحذيتهم و لسان حالهم يقول :» خلاص طاحت الحيّة» و أُنْجِزَ الأمر ، و لم يكن مرعوباً من رفع سقف طموحات الشارع الرياضي لثقته بما يملكون كمنظومةٍ تم تأسيسها جيداً و ثقته بقدرتها على تكرار النجاح ، لذا لن نعذر جوادهم على أي كبوةٍ غير مبررة مستقبلاً ، و لكننا عذرنا «و نص» صاحبنا الذي قال «أنتو كله تبون تفوزون» فقد كان - ببساطة - يستغرب من مطالبتنا لهم بما لا يستطيعون !