تلعب المدارس الأكاديمية والتعليمية دوراً مهماً وحيوياً من خلال صقل المعارف والقدرات ورفع مستوى المهارات لتخريج جيل متميز قادر على تحقيق الإضافات الحقيقية في المجتمع، وكثيرة هي المدارس في دول العالم، والتي تتعدى مئات الآلاف، ولكن تختلف قيمتها باختلاف مضمونها، سواء على صعيد التنظيم أو الإدارة أو الثقافة.

وكثيرة هي المدارس الكروية في المجال الرياضي، ولكن ما أدهش العالم أجمع هو «المدرسة البرشلونية»، والتي غيرت المفاهيم، وطورت من عمليات المعادلات، وتلاعبت بالقوانين، وشككت في الكثير من النظريات التي استمرت لعقود طويلة من الزمن، لدرجة أصبح البعض يشك قي قانون الجاذبية الأرضية الذي اكتشفه العالم نيوتن.

ولن أتطرق إلى تفاصيل الإنجازات الرياضية والبطولات التي حققها الفريق الساحر خلال السنوات القليلة الأخيرة، والتي بلغت 13 بطولة من أصل 16 في الأربعة مواسم الأخيرة، ولكنني سأتطرق للمنهج الأصعب في المدرسة البرشلونية وهو «الجمهور»، وأتساءل أي جمهور ذلك الذي يحيط بالفريق؟ وأي ثقافة يملك؟ والسؤال الذي أتحدى أن يجيب عنه أكبر المحللين وأعرق العلماء، هو المتعلق بكيفية زرع هذه الثقافة وهذا الفكر في أعماق الآلاف من جماهير البرشا؟.

واتضح ذلك جلياً للملايين في كافة قارات العالم خلال الأيام القلية الماضية، ودعوني أسترجع لكم الدرس المجاني الذي قدمته تلك الجماهير، فبعد خسارة الفريق البرشلوني من العدو اللدود ريال مدريد في معقل الكامب نو، ونهاية الصراع على لقب الليغا الإسباني لهذا الموسم، وجدنا الجماهير حاضرة وبقوة لتحقيق الحلم الأوروبي في مواجهة الفريق اللندني تشلسي، والصعود لأعظم بطولات القارة، وفي ظروف تعتبر مثالية من التقدم في النتيجة، وطرد المدافع الإنجليزي جون تييري، لدرجة أن الجميع اقتنع بأن التأهل للمباراة النهائية مجرد وقت، ولكن بعدما انقلب السيناريو رأساً على عقب، وضاعت ضربة الجزاء عن طريق الساحر ميسي، وقتل الحلم من خلال الإسباني توريس الذي أراد أن يسكت الملايين في العالم، ظهرت الجماهير البرشلونية لتقدم الدرس المجاني للجميع، من خلال الوقوف جميعاً وترديد نشيد النادي البرشلوني وتشجيع اللاعبين وتحيتهم في مظهر حضاري ولا أروع، ليمتد الإبداع من داخل أروقة النادي لتصل إلى الجماهير كافة، وللأمانة فأنا لم أعتد على ارتداء القبعات، ولكن بعدما عشت الحدث ورأيت الدرس أجد نفسي مجبراً لشراء القبعة، لا لشيء سوى لارتداها ورفعها احتراماً وتقديراً لهذه المدرسة الأوروبية وجماهيرها العريقة.

ولو أن تلك الإخفاقات حدثت في بلادنا العربية، لوجدنا جماهيرها توجه موجة من الانتقادات ومطالبات بالاستقالات، ناهيك عن رمي ما خفّ وزنه وقلّ ثمنه، ومن ثم تجبر لجان الانضباط على اتخاذ القرارات الرادعة لعل وعسى، ولكن للأسف يتكرر السيناريو مرات عديدة، ويستمر المسلسل المكسيكي للجماهير العربية، فمتى نتعلم من الجماهير البرشلونية.

همسة:

«جماهير برشلونة تدرس حالياً طريقة تكريم مدربها غوارديولا الذي قرر ترك النادي بنهاية الموسم، شيء يدعوني لتكرار جملة من أي كوكب أنتم ؟!».