كتبتُ مقالين أمس، والذي قبله، تمهيداً لمقال اليوم الذي يتحدّث عن تقرير خطر جداً لا ينبغي تجاهله، بل على كلّ حكومات العالم أن تتعامل معه، وتشكّل لجاناً طبيةً، وإداريةً لدراسة ما احتواه من أرقامٍ فلكية في عدد الأخطاء القاتلة في المستشفيات الألمانية، التي شُهرت بعلو كعبها في علم الطب وأبحاثه، ولهم تاريخ طويلٌ وعريقٌ فيه لا ينافسهم فيه إلا الولايات المتحدة الأميركية، التي تقدُمهم فيه.

وقد دقّ هذا التقرير بقوةٍ جرس الإنذار في الديار الألمانية، بسبب ما آلت إليه أوضاع المستشفيات هناك، وتحوّلها من الرحمة والصحة إلى التجارة، والنظر إلى المكاسب المادية، وجني الأرباح، على حساب المرضى المساكين.

لم يكتب هذا التقرير الخطر طبيبٌ من جيل الشباب ولا شركة صغيرة ناشئة، ولا خرج هذا التقرير من منافسين لمستشفيات ألمانيا في الدول الأخرى المتقدمة، بل كتبته ونشرته شركة من كبريات شركات التأمين في ألمانيا وهي "أوك" للتأمين الألمانيةAOK Deutsche Insurance، وقد جاء فيه أنّ ما يقارب تسعة عشر ألف خطأ طبي قاتل، وقع في المستشفيات الطبية في عام 2013،.

وهو رقم كبيرٌ جداً، ولا أدري كم نسبة الأخطاء المميتة، التي تعرّض لها الأجانب الوافدون للعلاج في مدن الطب الألمانية، خاصة من دول الخليج العربي، الذين يثقون بالطبيب الألماني ثقةً عمياء، من دون التفكّر في شهادته وخبرته وتاريخ سيرته في علوم الطب.

قد يقول أحدهم: إنّ هذا العدد من الأخطاء الطبية قد يكون مبالغاً فيه، وأقول لهم: على رسلكم (مهلكم)، وانظروا بعين الاعتبار والحكمة، لا بعين الرضى والعاطفة، واقرأوا التقرير جيداً وأعيدوا قراءته، فإنّ ناشره من أكبر شركات التأمين، التي تدفع للمرضى في ألمانيا.

ولا تقولوا كما قالت نقابة الأطباء هناك، لتخفي هذه المصائب والفواجع الطبية، عندما صُدمت بخروج التقرير فقال رئيسها (مونتغمري): "إنّ شركة التأمين(أوك) تقوم بممارسة مناورة سياسية مفضوحة".

قلتُ: الأصل أن يقول رئيس النقابة الألمانية: هيّا أيها الأطباء دعونا نعمل لإصلاح الخلل، ونمتحن جميع طرقنا العلاجية، وندرس هذه الأخطاء الكثيرة، التي يتعرض لها مرضانا، التي قد تؤدي لانهيار الثقة العالمية بقدرتنا، لكنه آثر أن يتهم هذه الشركة العملاقة باتهامات باطلة.

والمتأمل لهذا التقرير ـ ولو صدّق اتهام نقابة الأطباء الألمانية ـ عليه أنْ يخمّن كم نسبة المبالغة في هذا التقرير المخيف عن عدد الأخطاء الطبية المميتة، الذي ذكره التقرير الصادر من شركةٍ يستخدم تأمينها الصحيَّ 25 مليون ألماني، الذي يعني أنها تشرف على ثلث سكّان ألمانيا تقريباً؟! نقول: لن تزيد المبالغة عن 10 %.

هذا إن صدّقنا الاتهام، ولن نصدقه، لأنّي رأيت كثيراً من الحالات أمامي من أهلي، ومن غيرهم من الأصدقاء، الذين تعرضوا لأخطاء طبية من قبل هؤلاء الشباب، الذين لا يزالون في بداية حياتهم العملية في مجال الطب.

نقل موقع "إيلاف" هذا التقرير المأساوي وأضاف: "قدّر البروفيسور ماكس جيريدت، الذي أشرف على دراسة "أوك"، أنّ نصف الأخطاء الطبية، التي قادت إلى الموت كان تجنبها ممكناً، وتنطبق هذه الحال على التهابات جروح ما بعد العمليات، التي تشكّل 4% من مجموع المضاعفات غير اللازمة، لأنّ تحسين الإجراءات الوقائية، والعناية بتطهير أجهزة العمليات، وغرف المستشفيات، كفيل بتقليلها.

 ويبدو أنّ تعقيم اليدين في المستشفيات، من قبل الكادر الطبي، يلعب دورًا مهماً في زيادة حالات التهاب الجروح، وتشكّل 50% من أسباب تلوث الجروح، وسبق لخبراء "أوك" أنْ نبّهوا إلى ضرورة التخلّي في المستشفيات عن الأبواب التقليدية، واستبدالها بأخرى تنفتح وتنغلق أوتوماتيكياً، لأنه ثبت أن أكرة (مقبض) الباب أخطر أحياناً من يد ممرضة ملوثة بالبكتيريا".

علينا الحذر أيها الأعزاء، والبحث عن أفضل الأماكن والمستشفيات والأطباء في العالم لعلاج المرضى، وألا نتّكل على السمعة فإنّ الواقع يختلف كثيراً عن الأخبار، والحياة والبشر يتغيرون حسب الظروف المحيطة، ومن يذهب إلى ألمانيا للعلاج فعليه أن يحتاط لنفسه ولمريضه، فالأمر ليس كما كان.