رحل جيل الأطباء الكبار الألمان عن الدنيا، وهاجر من هاجر منهم إلى أمريكا دولة الفرص والغنى والتقدم العلمي وأكبر مراكز الأبحاث في العالم، ورحلوا أيضاً إلى دولٍ أخرى.

كما أخبرني بذلك أحد الأصدقاء الألمان، بعد أن سألته عن سبب وجود هؤلاء الشباب من الأطباء الذين يقومون بعلاج الأمراض الخطيرة وفي نظري أنهم لم يصلوا إلى الخبرة المطلوبة التي تؤهلهم لذلك! ولا يسعنا الانتقاد لأنّنا مرافقون للمريض ونخاف عليه، بل نحاول أن نرضيهم لكي لا يحسب تدخلاً في عملهم فينتقمون من مريضنا بسببنا، وهذا ما كانت تخبرني به عمةٌ لي تُعالج من مرض خطيرٍ هناك.

وكلما أتيت أعودها قالت لي: جمال حوّلني من هذا المستشفى فكل الأطباء أصغر من أولادي هنا وما هي خبرتهم في الحياة والطبّ! ولا أخفيكم أيّها الأعزاء، أني كنت أصبّرها وأنا أضحك من حكمها عليهم وأقول في نفسي: هؤلاء الأطباء الكبار كيف تسمّيهم صغاراً! ثم بعد ذلك تبيّن لي الأمر عندما قدمت مرافقاً لعلاج قريبٍ لي، ووجدت من يتحكّم في علاجه حقّاً من صغار الأطباء.

عندما ننظر إلى القائمين اليوم على أمور السياسة والاقتصاد والتقنيّات والجامعات الكبرى في ألمانيا، نجد جيلاً أوشك على الرحيل وجيلاً جديداً ليس في كفاءتهم سيحلُّ مكانهم قريباً، وهذه سنّة الحياة الأزلية، ولكن المقارنة السريعة بين الجيلين ستؤدي حتماً إلى قرع نواقيس الخطر على مستقبل الأمم، لأنّ الأمر متشابهٌ في كل مكانٍ على وجه البسيطة (الأرض).

وفي البلدان الصناعية الكبرى مثل جمهورية ألمانيا، تكون الظاهرة أقسى والبلية أعظم من غيرها، وهذه هي الحقيقة التي يجب على الحكومات أن تعيها وتفهمها بأنّ الأجيال الحديثة لديها ذكاء خارق، ولكنها لا تعرف استخدامه بالصورة الصحيحة التي استخدمتها الأجيال السابقة إذا لم تدرّب جيداً.

لأنّ أولئك كدّوا وتعبوا وعاشوا حياة طبيعية لم تتطور بهم الدنيا كل شهر كما فُعل بالجيل الجديد حتى أصبح لا يفرّق بين فتيل ونقير، وأصبح غارقاً في الأحلام والأفلام والألعاب الرقمية.

ويعيش الحياة الافتراضية وينغلق على نفسه، حتى بات محاطاً بجدارٍ من الفضاءات الإلكترونية وهو يمشي في شارعٍ مزدحمٍ بالناس! تذكّرتُ وأنا أكتب هذه المقالة، أبياتاً قلتها منذ 12 سنة فور وصولي إلى مطار "منشن" البافارية، فقلتُ:

وصلنا بحمد الله أرضَ "ميونخٍ"

فطابت لنا أيامها ومناخُها

 

وجادت لنا الدنيا وكانت شحيحةً

وقد زال عنها حزنها وسباخُها

 

بلاد رجالٍ لم تفتهم حضارةٌ

رجالٍ تَغذّى بالمعالي فراخُها

 

لكم ملأوا الدنيا بكلٍّ عجيبةٍ

ولي أمّةٌ لم يبقَ إلا صراخُها

هم كانوا كذلك في مجال الصحة، ولكني أراهم اليوم تغيّروا وأصبحوا لا يرون إلا المادة وتطويل أوقات المواعيد، وتفصيل المفصّل في التشخيص من أجل رفع قيمة "الفواتير"، حتى باتوا يعرفون كيف يحلبون النمل كما يُقال، من أجل جني الأرباح السريعة ..

ومن كانت حالته متردية من مرضانا فإنّهم يتفننون في وضعه في غرف العناية المركّزة المكلفة جداً، وحكومتنا لا تقصّر ـ حرسها الله ـ ولكنّ هذه المستشفيات تبالغ كثيراً لمصلحتها ضد مصلحة المريض وحكومتنا.

أيها الأعزاء: كم تريدوني أن أروي لكم من القصص التي رأيتها بنفسي لأقوامٍ قدموا إلى هذه المستشفيات يمشون يحملون أحلامهم بالشفاء العاجل وعادوا إما في الأكفان أو على كراسٍ متحركةٍ أو في مصائب منوعة وقد يشفون ولكن بعد دفع أموالٍ طائلةٍ بسبب الظروف العلاجية التي يُحاطون بها من غير حاجةٍ، ولا يمكنك الشكوى ولا التأفف خوفاً على نفسك أو على مريضك، وتتحمّل الأذى من سوء الأخلاق والعنصرية التي يقابلونك بها في بعض الأحيان.

هذا وأملي أن تقوم حكومتنا الرشيدة بعمل:

- تقييم شامل لفترة انتكاسة الطب في ألمانيا والتي أقدرها من 2004 حتى 2014.

- أخذ استبيان موسّع لشريحةٍ كبيرةٍ من الذين عولجوا هناك مع إشراك ذويهم المرافقين.

- تشديد الرقابة على جميع المعاملات الطبية مع هذه المستشفيات الألمانية وحظر التجارية منها.