أهل الهوى والعشق المساكين الذين يبيتون سهارى من أجل المحبوب وبعضهم يبيتون سكارى من شدة لواعج الشوق واحتفالاً بعيد الحبّ المزعوم الذي يسمّى بـ «الفالنتاين» عندهم، وهو عيدٌ ليس له أصل في الديانات كلها إلا عند الرومان القدماء، واسمه لديهم كما بيّن ذلك المؤرخون «لوبر كايلي»، وهو عيد الخصوبة الذي يمتد ما بين الثالث عشر من فبراير حتى الخامس عشر من  الشهر نفسه، ولمّا دخل الرومان في النصرانية قام البابا «جيلاسيوس الأول»، صاحب السلطة البابوية بين عامي (492 - 496م) بإلغاء احتفال «لوبركايلي»، وتم استبدال «الفالنتاين» بعد ذلك به، وهو احتواء ذكيٌّ من الكنيسة لأعياد الروم الوثنيين..

ولكن بتغيير المسمّيات، كما فعلوا بـ«الكريسمس» و«الهالوين» وغيرهما من أعياد عبّاد الأوثان، ولم تكتف الكنيسة بهذا الاحتواء، بل أشاعت قصصاً أسطوريةً عن قسٍّ يسمى «الفالنتاين»، زعموا أنّه قُتل في سبيل الشباب الذين مُنعوا من الزواج قبل سنّ الرجولة، فتمّ إطلاق اسمه على يوم الحب هذا تخليداً لذكراه، وقد بيّن العلماء المؤرخون أنّ هذه القصص من خرافات الكنيسة.

بيّنت في مقالٍ لي سابقٍ وتحدثت حول تاريخ هذا اليوم، وذكرت أقوال المؤرخين فيه، ولا داعي إلى التكرار، ولهذا سأتكلم هذه المرة عن الأرباح الخيالية التي تُجنى منه، فهو من أكبر الأيام ربحاً بعد الكريسمس للشركات الكبرى، إذ يبلغ الذي ينفقه الأمريكي وحده على «الفالنتاين» 130 دولاراً سنوياً، وبلغت عائدات أيام الاحتفال بعيد الحب في 2013م ما يقارب 18 مليار دولار، ما جعل الشركات تصاب بجنون التسويق، فسال رضابهم (لعابهم) التجاري..

وأوحت إلى شركات الإعلان والعلاقات العامة الدولية أنْ تروّج لهذا اليوم وتجعله من واجبات الحبّ، حتى بلغ الأمر بالناس من مسلمين ونصارى ويهود وعند كل الملل أنّ المحبّ الذي لا يقدّم هديّة لمحبوبه يكون مقصّراً مفرّطاً لا يعرف معاني العشق ولا الرومانسية، بل أعجب من هذا أن تجد بعض الزوجات تغضب وتذهب إلى بيت أهلها (تطمح) من أجل هذه الهدية والسهرة «الفالنتانية»..

وهذا من عجائب التسويق الذي ينبغي أن يُدرّس في الجامعات في مجالات التجارة والتسويق، لأنّ هذه الشركات الكبرى لجني الأرباح الخيالية، استطاعت بكل جدارةٍ وقدرةٍ أنْ تصل إلى معتقد البشر، فصارت بضاعتهم في عيد الحب ـ عجباً ـ وكأنّها مقدّسة!

لا يستطيع المحبُّون الهائمون عشقاً أو من يريد إيهام حبيبة بالحبّ في أميركا مثلاً ألا يذهب إلى واحدة من هذه الشركات الثماني، وإلا كان خارج منزلة المحبة، كما أوهمت شركات التسويق بذلك، ومنها على سبيل المثال:

- شركات بطاقات المعايدة، وأكبرها الشركة الأميركية للبطاقات (American Greetings Corp)، إذ بلغت عائدات مبيعاتها السنوية 1.75 مليار دولار، وتعدُّ بطاقات «الفالنتاين» في المنزلة الثانية بنسبة 25٪ بعد بطاقات أعياد «الكريسمس»، وهو كما تعلمون عيد مقدّس عندهم، احتفالاً بعيد مولد المسيح كما يزعمون، ولكن لننظر إلى هذا الأمر بعين الخبير، ونعرف كيف استطاعت شركات التسويق جعل عيد الحب يقارب منزلة عيد «الكريسمس» المقدّس لديهم.

- شركات بيع الزهور، ومن أكبرها الموقع الإلكتروني المشهور (1-800-Flowers.com Inc) الذي بلغت عائدات مبيعاته السنوية 733 مليون دولار، ولعيد الحب نصيب كبير من هذه المبيعات في شهر فبراير.

 هناك أيضاً شركات الشوكولاتة التي تزيد مبيعاتها في هذا الشهر من مثل شركة هيرشي (The Hershey Co)، وشركات بيع الجواهر وغيرها، ما يدلّك على أنّ العالم كله يدخل في يوم 14 فبراير أو في الشهر كله في حالةٍ من الضحك على العقول باسم الحب والعشق، ولفائدة الشركات الكبرى فقط، وإشباع شهيتها التجارية، والجنون فنون كما يُقال!!