الريادة لا تعني الرضى بالنجاح المحقَّق وإن كان مبهراً ومتفرداً، ولا تعني أيضاً الوقوف عند حدٍّ معيّن من التفوّق ولو فقنا بمراحل جميع المتنافسين للوصول إلى قمتها، لأنّ الوصول صعبٌ جداً والبقاء في الصدارة سيكون مستحيلاً إذا اطمأنت النفوس بالإنجاز ورضيت بالواقع، ونظرت بعين القوة والغلبة تجاه من يسابقها، وكما قيل في الأمثال العربية: "من مأمنه يُؤتى الحذِر"، وكما قلتُ كذلك في مطلع قصيدةٍ طويلةٍ لي:
على المرءِ أنْ يسعى وأنْ يتجلّدا
وأن يبلغَ الجوزاءَ مجداً وسؤددا
وأنْ يدركَ الغايات في كلِّ محفلٍ
سماحاً وإقداماً ورأياً مسدّدا
وأنْ لا يُرى بين الورى متهاوناً
فيشقى وإنْ كانَ المطاع المسوّدا
نعم هي الريادة التي لا يمكن أن تبقى مع أمّةٍ دون أمّةٍ ومع حكومةٍ دون حكومةٍ ومؤسسةٍ دون مؤسسةٍ وعلَمٍ دون علَمٍ، من غير مثابرةٍ وجهدٍ متواصلين، وكذلك البحث عن أفضل السُبُل التي يمكنهم بها أن يصلوا إليها أولاً في شتى المجالات.
ثم كيف تتم المحافظة عليها بجودةٍ عاليةٍ ثانياً، وإلا فما فائدة الوصول إلى القمّة ثم السقوط بعد النجاح المبهر إلى الهاوية، بسبب قناعة بعضهم بما تحقّق وكأنّهم لا يعلمون بأنّ "الوقوف يعني التراجع" كما قال سيدي صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، حفظه الله..
ولهذا لا يمنع خبراء التنمية من استيراد خلاصة خبرات الآخرين لتستفيد منها الدول الناشئة والدول المتقدّمة على حدٍّ سواء، بل هم يحثّون عليها، لأنّ عين الكِبْر واليقينيّة تؤدي إلى انهيارٍ غير متوقع في التنظيم المؤسسي والحكومي، ومن أراد جدالي في هذه الحقائق فما عليه إلا أن يفتح كتب التاريخ فهو شاهدٌ على كل كلمة أقولها هنا.
هذا وإن كان الحديث عن الريادة والتفوّق والنصر في جميع الميادين الحكومية تتحدث عنه جميع الحكومات في العالم وتسعى إليه، فإنّ اتجاه أكثرها يخالف اتجاه حكومتنا الرشيدة التي جعلت الريادة لها من نوعٍ آخر فريدٍ وأجره متصل لا ينقطع ما بين الدنيا والآخرة، لأنّ تلك الحكومات تتنافس على زيادة الموارد المالية ورفع قيمة الضرائب والتدخل في شؤون الدول الأخرى.
كما تقوم به بعض الدول الكبرى بحجة حماية مصالحها، ولكن "الريادة" عند دولتنا الحبيبة تعني لديها سعادة المواطنين، ولا شيء أكبر وأسمى من هذا الهدف، ولهذا فهي تعمل ليل نهار لتحقيقه دون توقف، وهو نفسه سبب انطلاق الدورة الأولى من القمة الحكومية 2013 ثم هذه القمة الحكومية المميزة التي تنطلق اليوم.
تعود إلينا القمة الحكومية بعد النجاح الكبير الذي أبهر جميع المتابعين من داخل الدولة وخارجها في دورتها الأولى، ولم يكن هذا الانبهار إلا نتيجة حتمية لأهمية هذه القمة ودورها الكبير في صياغة المستقبل الصحيح لموظفي حكومة الإمارات في شتى القطاعات، ليصلوا إلى الهدف المنشود في جعل شعب الإمارات من أسعد شعوب الأرض، وهذه الأمنية غير مستحيلة، بل قد تحققت وما زالت تتحقق مع الإيمان بها والاستمرار في ترقية الخدمات المقدّمة للمواطنين.
يقول صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم: "المستحيل كلمة اخترعها أشخاص لا يريدون الخروج من حدودهم الآمنة، وهي كلمة ممسوحة من قاموس شعب الإمارات".. وللمقالة بقية.