منذ سنين عديدة وفي زمنٍ أسميه زمن الخديعة الكبرى لمجتمعنا، الذي لم نكن نعرف عن (الخُوّان) غير الصلاة والمسرحيات والرحلات والأناشيد الحماسية، ولم نكن نفهمهم بل كنّا نحسبِهم ونعدّهم من أهل الإمارات المخلصين لدينهم ودولتهم، ولا نشعر بما يخططون لنا ولشبابنا ليفرّقوا بينهم ويمزّقوا أواصر القربى في الأسرة الواحدة، وهذه المشاهدات والأنشطة كنا نراها في مسجد جمعية الإصلاح ومسرحها ومكتبتها ولا نلقي لها بالاً وهم يمكرون مكراً كبّاراً، وإن أنسَ لا أنسى ذات يوم سمعتُ شاباً من المنتمين والمتحمسين لعصابة (الخُوّان) يقول: "لو كان أبوبكر الصدّيق حيّاً لكان عالم فضاء"، فقلتُ له متعجباً: لماذا تقحم في نقاشك اسم الصديق رضي الله عنه ويمكنك أن تذكر أيّ علَمٍ آخر من أعلام المسلمين من دون ذكر صحابة رسول الله، فلم يُحر جواباً وسكت، فعلمتُ من ذلك اليوم أنّ لهم جرأةً عجيبةً على رموز الإسلام، ولم أكن بعدُ اطلعت على أقوال كُبرائهم الذين علّموهم التجرّؤ والسفاهة.
والحديث عن الإخوان (المتأسلمين) وقصصهم وأخبارهم الغريبة التي تصل إلى حدّ الجنون في مجملها لا يمكن أن تُحصى، فكم من كتابٍ طُبع وأبحاثٍ نُشرت ومقالاتٍ كُتبت عنهم منذ سبعين سنة، ولا نزال نكتب عنهم من دون توقّفٍ حتى يتبيّن للناس حقيقتهم، ويعرف الشباب مع أيِّ عصابةٍ حاقدةٍ يتعاملون، حاقدةٍ على دولهم ومجتمعاتهم ومؤسسات حكوماتهم، ولا يرون حياتهم إلا في العيش في جحورهم التي مُلئت بالخبث والمكر والدسائس والتآمر مع أعداء العروبة والإسلام، بحجّة نفع المسلمين وتحرير الأقصى وإعادة الخلافة الإسلامية المزعومة التي يتباكون عليها صباح مساء، ويزرعون حُلُم عودتها إلى الأمة الإسلامية في قلوب الناشئة، لتحميسهم وللتلبيس عليهم حتى يصبح الإسلام لديهم شعاراتٍ وتكبيراتٍ ومخيّماتٍ ومعسكراتٍ وقصصاً أسطوريةً وبطولاتٍ خياليةً من نسج خططهم الخبيثة، لتطويع هذه القلوب الطريّة وإشغالها بما لا ينفعها، وجعلها في الوقت نفسه سلاحاً هدّاماً فتّاكاً يفتك بكل من يقف أمامهم.
ومن العجائب أنهم يدّعون التديّن وحبّ السنّة وهم يطعنون في سيّدنا ذي النورين "عثمان بن عفان" رضي الله عنه، ويصفونه بأوصاف لا يمكن أن تقبلها شخصية تعيش بيننا اليوم، فكيف استمرأ إعلامهم التطاول على ثالث الخلفاء الراشدين وعلى صحابي جليل تستحي منه الملائكة، ولكن (الخُوّان) لا يستحون منه، رضي الله عنه وأرضاه، وهذا معلّمهم الأكبر (سيد قطب) الذي برع في الأدب ونقد الأدب جداً، ولكنه ليس له حظ من الأدب مع هذا الصحابيٍّ الكريم الخليفة "عثمان" رضي الله عنه، فيقول في كتابه (العدالة الاجتماعية): "هذا التّصوّر لحقيقة الحكم قد تغيّر شيئاً ما دون شكّ على عهد "عثمان" وإن بقي في سياج الإسلام، لقد أدركت الخلافة عثمان وهو شيخ كبير، ومن ورائه "مروان بن الحكم" يصرّف الأمر بكثير من الانحراف عن الإسلام، كما أنّ طبيعة عثمان الرّخيّة، وحدبه (عطفه) الشّديد على أهله، قد ساهم كلاهما في صدور تصرّفات أنكرها الكثيرون من الصّحابة من حوله، وكانت لها معقبات كثيرة"، قلتُ أيها الأعزاء: نحن لا يمكن أن نسمح لأحد أن يصف أحداً ممن نقدرهم بهذه الأوصاف فكيف استطاع هذا أن يتجرأ على ذي النورين..
وللمقالة بقية.