استمعت إلى مداخلة الأخت "أم محمد" في برنامج الإعلامي السعودي "داوود الشريان" وكادت نفسي تَقطّعُ من شدّة ألمها وحزنها على ولدها الذي لم يتجاوز السابعة عشرة من عُمُره وقد ذهب إلى القتال في سوريا من غير درايةٍ ولا معرفةٍ بما سيحصل له، فبكى المقدّم وضيوفه ممّا سمعوه، وهلّت دموعي تأثّراً بهذه القصة بل الفاجعة التي تروي مصيبة أمٍّ بولدها من جرّاء هؤلاء الجهلة المحرّضين على القتال بغير هدى، وليست تحت راية لولي الأمر إنما هي فوضى يُراد منها تدمير بلاد الإسلام وتخريبها وإزهاق أكبر عدد من الأرواح العربية المسلمة، وتشتيت الناس من الفقراء والمساكين الذين لا حول لهم ولا قوّة شرقاً وغرباً، لإرهاق الدول الفقيرة المجاورة، وإضعاف الجيوش العربية التي تشترك مع إسرائيل في الحدود ولتتخلص من الأسلحة الكيميائية، وتعد جيلاً جديداً من المتطرفين الجهّال ليقودوا عملياتٍ تخريبية أوسع في أوروبا وأميركا، وليكونوا بعد ذلك سبيلاً سالكاً لغزو العالم الإسلامي من جديد وتدمير مقدراته وإضعافه حتى لا يستطيع الحراك، وهم في نفس الوقت يسلبون الأموال والثروات من بلاد الإسلام ويجمدون الأرصدة، ويستقبلون أيضاً العقول العلمية العربية المهمة في نفس الوقت، وهناك بلا شك غيرها من الأهداف الاستراتيجية التي تحتاج إلى شرحٍ طويلٍ، وكل هذا بسبب الجهل المركّب الذي يعيشه كثير من المسلمين، ولعدم تقديرهم للوضع العالمي وقلة اهتمامهم بالاستعداد لمثل هذه المخططات الشيطانية ولا يأتمرون بأمر الله ورسوله بطاعة ولي الأمر، ولكنهم يكتفون بالنظر إلى ما يحصل في الدول الأخرى ويظنونه بعيداً عنهم وهو أقرب إليهم من حبل الوريد، فإذا وقعت في ساحتهم لا ينفع قولهم: "أُكلتُ يوم أُكل الثور الأبيض" بل يُقال: لهم "يداك أوكتا وفوك نفخ" وليتحملوا مسؤولية صمتهم عن مثل هؤلاء الدعاة الجهّال المحرّضين وتغافلهم عن خطط الأعداء المتربصين!.
تذكّرت وأنا أستمع إلى صيحات "أم محمد" صورة ذلك الشيخ العالم من أهل المدينة الذي كاد عقله يطير من هول الفاجعة التي مرّ بها هو وأهله، فقد كادوا يفقدون فلذة كبدهم الصغير عند الأفغان الذين لا يحتاجون إلى رجالٍ، فهم كثيرون وتعدادهم يزيد على الثلاثين مليون نسمة، فما حاجتهم إلى هؤلاء الأطفال المغرر بهم الذين لم يعد منهم إلا القليل إلى بلادهم لأنهم ذهبوا ضحايا لهذا التحريض الجاهل، ومن عاد منهم سالماً فقد دخل في الغالب في مجموعات إرهابية أو اتهم بها، وقد تكرر (السيناريو) نفسه في العراق وسوريا لأنهما دولتان في حاجةٍ ماسةٍ إلى العون الماديِّ والدعاء لإنهاء هذه الفتنة العظيمة التي أظهرت للعيان جليّاً بوادر تقسيم المقسّم وإعادة هذه الشعوب المنكوبة إلى الصفر، فلا تقوم لها قائمة في المنظور القريب، ولم ينج من هذا المخطط الدولي الإجرامي إلا "مصر" حتى الآن وأسأل الله لها السلامة.
بكى "الشريان" من هول ما سمع من "أم محمد" ودعا بكل غضبٍ إلى مواجهة هذه الأصوات المنكرة التي تحرّض الشباب على القتال من غير دليل ولا حاجة ولا تحت رايةٍ لولي الأمر، بل أكثرها حروبٌ طائفية لا يعلم القاتل فيها لمَ قَتل ولا المقتول لمَ قُتل، والمصيبة أنّ الأطراف المتناحرة على السلطة تسمّي قتلاها شهداء، قلتُ: وما يدريكم وأنتم تقتلون بعضكم بعضاً والعياذ بالله.
لقد وقعت مناشدة "أم محمد" لخادم الحرمين وولي عهده ونائبه للتدخل في هذه الظاهرة الخطيرة من التحريض المستمر، موقعاً في النفوس لا أظنُّ مناشدةً قبلها أثّرت في المجتمع الخليجي مثلها، لأنّها هزّت أعماق الروح الإنسانية، وأظهرت بما لا يخفى على ذي بصرٍ وبصيرةٍ حجم المأساة التي نعيشها بسبب هؤلاء الدعاة المحرضين الذين لا همّ لهم إلا الشهرة وزيادة عدد المتابعين في مواقع التواصل الاجتماعي وجني الأموال من أسعار البرامج التلفزيونية والهدايا، وأختم مقالي كما ختم "الشريان" برنامجه وأقول لهؤلاء دعاة التحريض: اتقوا الله في البلد، هناك أمهات يبكين لا ينمن الليل.. خلاص .. لقد مللنا منكم.