تمر بنا الأسماء بسبب التعوّد كأنّنا نفهم معانيها ولا نحتاج إلى أن نسأل عنها، ولم تؤلَّف كتبٌ في اشتقاق هذه الأسماء إلا قليلاً جداً، ومنها مؤلفات معاصرة تضحكك وأنت تطالع صفحاتها بسبب الضعف الشديد في التأليف، من جرّاء عدم الإلمام بعلوم اللغة العربية، وعدم درايتهم بفقهها، وكيفية ربط واشتقاق المعاني القديمة بالمحدثة منها.

وكتاب الاشتقاق للعلامة ابن دريد من أعظم هذه الكتب على الإطلاق، وقد أكد فيه أنّ أسماء العرب تأثرت بالبيئة من حولهم، وكذلك تؤثر فيها أحوالهم النفسية والمعرفية وطبائعهم.

ويتأثرون بكل ما يجاورهم ويشاهدونه ويشعرون به، وما يتصورونه في خواطرهم وشواردهم، حتى الشعر له نصيب، فقد سُمِّي بعضهم بكلمةٍ في بيتٍ له، فنُسي اسمه الحقيقي، مثل الممزّق والمثقّب، ومن يتأمل أسماءهم يجد أكثرها أسماءً للحيوانات كمثل أسد ونمر وثعلب وكلب وكلاب وثور وعملّس (الذئب).

وكذلك أسماء الشجر كطلحة وعوسجة وقتادة وأراكة وعلقمة ومرة، والطيور مثل عقاب وغراب وعكرمة وحاتم، والنجوم والكواكب كشمس وهلال وقمير، والمطر كغيث ومطر، وما جاء بصيغة أفعل كأشجع، وفعّال كشدّاد، وفعلان كذكوان وغزوان وغيْلان، وكل هذه المسميات تعود إلى ذكاءٍ فطريٍّ في العرب، إذ انتقوا لأبنائهم وبناتهم أسماء من بيئتهم ومن انفعالاتهم.

 

وقد بقي عرب الصحراء على عادتهم منذ الجاهلية حتى اليوم، مع إضافة بعض الأسماء المحدثة عند أهل مصر والشام من أهالي المدن التي غزت البادية اليوم كفادي وشادي و«جمال» محدثكم. وللمقالة بقية غداً إن شاء الله.