أينما أتوجّه أجد حمّى الأنساب (النفّاضة) تجتاح الأخوة العرب في جميع الدول العربية، وقد تجاوزها إلى غيرها من بلاد الإسلام في محاولةٍ يائسةٍ لوصل نسبهم إلى قبائل ما قبل البعثة النبوية أو قبائل ما بعدها في قصصٍ عجيبةٍ وأخبارٍ غريبةٍ، كأنّ الحياة توقفت كلها عند البحث في هذه المواضيع التي لم تعد لها أهميةً ولا معنى لها إن لم تكن لغرض صلة ذي القربى، ومعرفة بعض التواريخ من خلالها، خاصة أنساب الملوك والأمراء والشيوخ وبعض من حافظ على نسبه من خلال «المشجرات» القديمة من مثل المنتمين إلى آل بيت رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أما باقي الأنساب فيها منقطعة لا يمكن أن تتصل بعد قرون طويلة من عدم التدوين لأنهم في تلك الأيام لم يكونوا يرونها شيئاً ذا شأنٍ يسجلونه للأجيال القادمة، اللهم إلا قليلاً من أهل الأدب ممن أُولع بعلم الأنساب وسجّل لنا بعضاً مما علمه في زمانه أو قبل عصره من باب إمتاع القرّاء أو لحب التدوين كما فعل مجموعة من العلماء في كل عصر من عصور الإسلام، ولم تكن تلقى اهتماماً من القوم لأنّ علوم الفقه والحديث واللغة وغيرها من العلوم كانت مهيمنة عليهم، حتى جاء العصر الحديث عصر البترول والثروات الضخمة، ودخل بعض الناس من أصحاب المال من أهل الحسب والنسب أو من غيرهم في سباق عالمي من أجل تحقيق مآرب (أطماع) شتى من الأغنياء ومن الباحثين الفقراء على حد سواء، ليصل كل واحد منهم إلى غايته.

علم النسب علمٌ بلا ضوابط علمية ويستطيع كل من هبّ ودبّ أن يفتي ويجمع ويؤلف وقد يصبغ (يكذب) ويدلس على الناس في نسب أسرته أو قبيلة صاحب المنصب والمال أو بسبب ضغينة وحقد فيكتب مؤلفات ليحط من أمر أسرة عريقة أو قبيلة مشهورة من أجل أن يرفع أخرى على حسابها زوراً وبهتاناً والعياذ بالله، وليشبع نهمه المادي والمعنوي على حساب غيره ثم يخوض حروباً شرسة لتأكيد أكاذيبه، كأنه لم يسمع بقول رسول الله: «أنتم بنو آدم وآدم من تراب»، ومن تذكّر هذه المقولة وفّر أوراقه وأحباره لما هو أفضل وأنفع من العلوم للعرب من هذه المحاولات التي أراها تزيد كل يوم وفي سعيٍ حثيثٍ لوصل المنقطع من النسب، ولهذا أقول لكم أيها الأعزاء: إنّ إدخال الجمل في سمّ (ثقب) الخِياط (الإبرة) أسهل مما يحاولون، وكيف ينجحون وهذه القبائل قديمة جداً وليس هناك ما يوثق تنقلاتها في الجزيرة العربية وخارجها وكيف يعلم كل ما حصل من أحداثها خاصة في القرون الثمانية التي خلت وهي قرون تخلّفٍ وانحدارٍ في كل البلدان العربية والإسلامية.

هذا ونصيحتي لكل أسرة تريد أن تحافظ على نسبها أن تسجل تاريخها الحديث وفروع شجرة نسبها القريبة ولا داعي أن تتكلّف العناء فتبحث في أمرٍ مرّت عليه قرون طويلة وليس ثمة ما يثبت إلا الظنون و(وكالة يقولون)، وأحذّر من محاولة الانتماء إلى غيرهم فيما علمه الناس وأثبتوه إلا بدليلٍ قاطعٍ يخرجهم من هذه القبيلة والأسرة ليدخلهم في أخرى، لأنّ رسول الله حذرنا بقوله: «من انتسب إلى غير أبيه، أو تولى غير مواليه فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين»، وهذا حديث شديد على الكذبة الذين يكذبون في أنسابهم وأنساب غيرهم ويزورونها من أجل مصالح دنيوية زائلة، وهناك أحاديث أخرى مثلها صحيحة تحذر من الكذب ومن الفخر في الأنساب لإذلال الآخرين.