لا يظنّ ظانٌّ ممن يجهل تاريخنا القديم وعاداتنا العريقة، التي منبعها الشريعة السمحة ونبتت في أرض العروبة وسُقيت بماء المكارم والأخلاق العالية، أنّنا بسبب وجود ناطحات السحاب من المباني في أرضنا والتقدم والتطور الذي ننعم به والأموال التي ملكناها بعد الجوع والفقر، بأننا سنتنصل من ديننا ونهجر عاداتنا ونترك أخلاقنا التي ورثناها كابراً عن كابر.
لنتبع الأمم الأخرى المتطورة التي لا خلاق لها ولا عرف ترجع إليه، ولا عادات قيّمة (مستقيمة) بنيت عليها مجتمعاتهم، وإنما هو مجتمع لا يؤمن إلا بالمادة لا غير، وإن كان بعض قراهم النائية لاتزال تحافظ على عاداتهم الموروثة، ولكن الغالبية العظمى منهم قد هجرتها منذ عقود..
ولكننا في دولتنا الحبيبة "الإمارات" يقول شيوخنا الكرام قبلنا ونردد نحن من ورائهم: بأنّنا لن نضيّع أمانة أجدادنا وتراثهم ونغيّر أوامر الله ورسوله أبداً ـ وحاشا لله ـ أن نتركها من أجل مشاكهة (مشابهة) أقوام انسلخوا من كل شيء فتاهوا في مجاهل التيه، وأصبحوا مثل الطيور الهائمة على وجهها وجؤجئها (صدرها) هواء لا عقل فيه، ومصيرهم لا محالة الدمار والهلاك والسقوط طال الزمان أم قصُر.
كانت بلادنا صغيرةً يسكنها أهلها وقليل ممن جاءوا لطلب الرزق أو ممن وجدوا في بلادنا الطيبة والأمان والكرم فاختاروا الاستقرار بها، وقد استقبلهم الناس بكل حفاوةٍ وتقديرٍ، وهذا طبعٌ أصيلٌ في الشعب الإماراتي الوفيّ، ثمّ لما كثُرت التجارة وانتعش الاقتصاد حتى بلغ مبلغاً عالمياً.
وقد سلّط العالم كله أضواءه علينا وصرنا قوة اقتصادية لا يمكن الاستغناء عنها لتحريك عجلة الاقتصاد العالمي، كان لا بدّ أن يهاجر كثير من الناس إلى هذه البلاد لأنها مفتاح للأرباح وباب عظيم للأرزاق، فقدم الناس زرافاتٍ (جماعات) ووحداناً من العرب وغيرهم، واستقروا وعاشوا في نعمة وأمان.
وبعضهم حصل على جنسية الدولة حسب قانون التجنيس المعمول به، وهم والحق يُقال قومٌ صاروا إماراتيين مثلنا ويعملون بجدٍّ واجتهادٍ كما نعمل ونجتهد ويحافظون على الإمارات بكل إخلاص، وقد اكتسبوا كثيراً من عادات البلاد ولم يفرّطوا فيها، وهذا من وفائهم وإخلاصهم كثّر الله من أمثالهم.
لكن لكلّ قاعدة شواذ كما يقول علماء اللغة العربية، وينطبق هذا المثل على بعض من الناس وهم قلة قليلة من الناس ـ والحمد لله ـ ممن لا يبالون بالبلاد التي يسكنون فيها ولا بمجتمعهم.
ولا ينظرون إلى عواقب الأمور وسخط الناس بسبب أفعالهم السيئة التي تردها الشريعة وترفضها العادات والقيم الموروثة عند أهالي الإمارات الكرام، ولعلّ بعضهم سمع قول الشاعر معروف الرصافي في الإنكار على من يتمسك بالعادات وظنّ أنه مصيب في قوله:
فاغبى البريةِ أرفاهم لعادتهِ
وأعقلُ الناسِ خرّاقٌ لعاداتِ
وهذا المستشهد بهذا البيت لم يعلم بأنّ الشاعر يعني بعض العادات التي تخالف المنطق والعقل وتهين المرأة وتذلها عند بعض الشعوب العربية.
وهذا لا ينطبق على اللباس غير الضافي الساتر للجسم والظهور في القنوات والتفاخر بأنهنّ إماراتيات، وهنّ لسن من الإمارات في شيء، ولو كنّ إماراتيات لحافظن على عادات البلاد ولما جعلن الشعب الكريم يطالب بسحب الجنسية عنهن وعن كل من يتجاوز حدوده ويشوه صورة أمهاتنا وأخواتنا وبناتنا بهذه الجراءة، ثم يدّعين ويقلن: إننا إماراتيات! هذا محض افتراء وتشويه لتاريخنا المجيد وعاداتنا الكريمة..
وليس لنا إلا النصيحة هاهنا، والباقي على السلطات المعنية أن تطبق في مثل هؤلاء القانون، لأنّ من أساء إلى شعب الإمارات فقد هدم ركناً من أركان الولاء.