قصص النساء مع أزواجهن كثيرة، لا يمكن أبداً حصرها، فهي متوالية لا تنقطع منذ بداية أول زواج في الدنيا إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، وقد وجدنا بعضاً من هذه القصص في كتب التراث الإسلامي، وبعضها الآخر في الروايات الشعبية المحلية، ولكن من يطيق تدوين ما يحصل كل يوم بين الزوجين من أخبار مضحكة وأخرى محزنة؟
وماذا تعني لنا هذه الأحداث والأخبار، فمثلها يقع كل يوم؟ وماذا ستزيد في معرفتنا وخبراتنا إلا أن تكون طرفةً مسليةً أو قصةً نتعظ منها؟ ومن منّا لديه الوقت والفراغ لينقل مثل هذه اليوميات التي لا تسمن ولا تغني من جوع؟ هكذا يقول الناس في كل صقع من أصقاع الدنيا، ولكن أسأل هنا: هل تستحق زوجة قامت بالتضحية من أجل المحافظة على زوجها وأسرتها أن نسجل قصتها؟
وهل يستأهل خبر هذه الزوجة الأصيلة أن تُكتب عنها مقالة كمثل هذه التي بين أيدينا؟ أم أنّ الأمر لا قيمة له ولا يزيد على كونه محاولة يائسة من هذه الزوجة لتصلح ما أفسده المجتمع العربي وجعله من ركائز تفكير الرجل في الزواج من الثانية والثالثة؟ أسئلة يمكننا أن نجيب عنها باختصار لأنّ مساحة المقال لا تسعفنا وقد نعرج على تفاصيلها في مقالات أخرى إن شاء الله تعالى.
يُروى عن الحسن بن علي بن الحسن رحمه الله تعالى أنه قال لامرأته عائشة بنت طلحة: أمرك بيدك، فقالت: قد كان عشرين سنة بيدك فأحسنت حفظه، فلن أضيّعه إذ صار بيدي ساعة واحدة، وقد صرفته إليك، فأعجبه ذلك منها وأمسكها. قلتُ: هكذا تفعل المرأة الحصيفة العاقلة التي لا تريد دمار بيتها لأي سببٍ كان، بل تريد أن تزيده قوةً ورفعةً ولا تحكّم مشاعرها في مصيرها ومصير أسرتها، فهي عندما "تصك الحلقة البطان" كما نقول في لهجتنا، تجعل الحكمة والحلم هادياً لها ونصيراً. كذلك قد روى الرواة قصة ذلك الرجل الذي قال لامرأته وهي واقفة على السلم: إذا نزلتِ فأنتِ طالق وإن رقيت فأنتِ طالق!، فما كان منها إلا أن ألقت نفسها عليه لكي لا تفارقه وتدمر منزلها بسبب جنون بعض الرجال في أوقات غفلتهم.
وقد وصلني أمس مقطع قد بث في أكبر سينما في العالم "اليوتيوب" لرجل سعودي اجتمع أصحابه على تزويجه وقدّموا له ثلاثين ألف ريال ليعينوه على زواجه بزوجة ثانية، فلما علمت زوجته الكريمة وأم أولاده بالأمر، لم تجلس مكتوفة اليدين، وعزمت على المحافظة عليه بكل طريقة ممكنة، فالزوج إن كان محسناً فإنّ الزوجة الصالحة بلا شك تخشى فقدانه، أما إن كان غير ذلك فلن تأبه المرأة له وستنساه، بل قد تقيم وليمةً لسعادتها بالتخلّص منه، كما سمعناه في هذه الأوقات العجيبة.
قامت هذه الزوجة السعودية الوفية بعمل احتفال لزوجها وهو لا يعلم، وأحضرت الورود و"كيكة" بيضاء، وجعلت تسعين ألف ريال تحيط بها، وكتبت عليها "إن زادك أصحابك زدتك أكثر وأكثر"، فما كان من هذا الزوج إلا أن ترك فكرة الزواج الثاني بسبب ما رأى من إحسان زوجته. وقد يظن بعض من لا علم لديه أنّ هذه المرأة ليست عاقلة، ويراها رشت زوجها ليبقى، وبعضهم سيظن أنّ الزوج ليس برجل، وأنه طمع في مال زوجته، بل قد يعدّه من أنواع الابتزاز، والحقيقة أنّ الأمر رائع وجميل وحكيم، ويجب علينا مدح فعل الزوجة لأن عليها مسؤولية المحافظة على بيتها وزوجها، وعلى الزوج مثل ذلك بأي طريقة أو أسلوب لا شبهة فيه ولا يخالف الشريعة، فما رأيكم أيها الأعزاء؟