يزعم بعض المحسوبين على جماعة المسلمين بأنّ الاقتصاد الإسلامي لا يصلح لهذا الوقت، ويتهمه بالرجعية، وأنّه لا فائدة منه تذكر، وسوف يؤدي تطبيقه إلى تخلّف المجتمعات العربية والإسلامية، وليته وقف عند هذا الحد، بل هو يدعو إلى تبني فكر الرأسمالية الغربية، أو الاشتراكية، اللتين أثبتتا فشلهما، عندما هبّت عليهما عواصف الأزمات الاقتصادية العالمية، بسبب تركيبتهما المعوّقة غير المرنة، ولا تتحلّى بالأخلاق ولا تعتمد الأنوار الربانية هدياً لها، وإنما جعلت كل اعتمادها على الجشع والطمع، وأخذ المال من حق، أو من غير حق، والاستيلاء على حقوق الآخرين بكل طريقة ممكنة، فالغايات لديهم تبرر الوسائل، وكل غير مشروع صار مشروعاً ما دام المكسب نتيجة له.

الاتهام هذا، لو تدبرناه، لم يبن على قواعد علمية سليمة، ولكنه بني على أساسٍ علمانيٍّ بحت، وهو البعد عن كل شيء يمتّ إلى ديننا الحنيف لأنهم يرونه تخلفاً، بسبب اختلاف الزمان والمعاملات والطرق التجارية العالمية، ولا بد في ظنهم أن يبقى الإسلام في المسجد، ولا يتجاوزه إلى هذه الأنظمة العالمية، وهو محض افتراء، ووهم عظيم، وجهل كبير في أصول الشريعة الإسلامية، التي تصلح في كل وقت ومكان، لأنها رسالة خالدة، أتت في ختام الرسالات، ولهذا لم يستطع الغربيون أن يستفيدوا من ديانتهم لصالح تطورهم وتقدمهم، فحجروا عليها، وجعلوها لا تخرج من الكنيسة، وقاموا بثورتهم الكبرى، وهذا بعكس ما حصل عند أهل الإسلام، فإنهم ما تخلفوا عن ركب الحضارة، بعد أن قادوا العالم قروناً طويلة إلا عندما ابتعدوا عن تطبيق النهج الصحيح لشريعتنا السمحة، ولا يحتاج قولي هذا إلى دليل، فهذه كتب التاريخ تموج بأخبار تاريخنا الماضي المجيد.

في المؤتمر العالمي للاقتصاد الإسلامي المنعقد في دبي، ألقى الأستاذ أحمد المدني رئيس البنك الإسلامي للتنمية، وكم أعجبتني فصاحته، فهو لم يلحن طيلة كلمته الطويلة، وقد ذكر فيها مدح "كرستين لاغارد"، رئيسة صندوق النقد الدولي للاقتصاد الإسلامي، وأنه هو النظام الآمن للاقتصاد العالمي في ظل الأزمات الكبرى، التي تعصف بالعالم المتقدم، وهي ليست الأولى في هذه القناعة وإنما قال به جماعة من كبار أهل الاقتصاد، وفي افتتاحية بوفيس فانسون رئيس تحرير مجلة (تشالينجز)، لعدد أكتوبر من عام 2008 م، قال في مقالة بعنوان "البابا أو القرآن"، نحن بحاجة أكثر في هذه الأزمة إلى قراءة القرآن، بدلًا من الإنجيل لفهم ما يحدث بنا وبمصارفنا، لأنه لو حاول القائمون على مصارفنا احترام ما ورد في القرآن من تعاليم وطبقوها، ما حل بنا ما حل من كوارث وأزمات، وما وصل بنا الحال إلى هذا الوضع المأساوي، لأن النقود لا تلد النقود.

وكذلك بثت وكالة (كونا) الكويتية تقريراً بعد لقاءات، قامت بها في فرنسا عندما رأت اتجاه حكومة ساركوزي تبني الاقتصاد الإسلامي، وكانت كرستين لاغارد، تقود هذه العملية بقوة، وتم تغيير بعض القوانين الفرنسية، من أجل أن تتوافق مع أحكام الشريعة، وقد جاء في التقرير، امتطت فرنسا قطار المالية الإسلامية، وهي ترغب بمكان مميز فيه، حيث تسعى إلى أن تكون مركزاً أوروبياً للاقتصاد الإسلامي، وعلى الرغم من عدم تحقق أي إجراءات عملية في هذا المجال فإنّ الحكومة الفرنسية عازمة على إصدار قوانين تسمح للمالية الإسلامية بالدخول لفرنسا، وهو ما أكده كبار المسؤولين الفرنسيين من الرئيس نيكولا ساركوزي ووزيرة المالية والاقتصاد كريستين لاغارد، ورئيس البنك المركزي كريستيان نوييه.