الكذب في كلام الناس عظيمٌ عند الله، وقد حذّر منه رسولنا المصطفى عليه الصلاة والسلام فقال: "لا يزال المرء يكذب ويتحرّى الكذب حتى يكتب عند الله كذّابا"، وذكر أيضاً أنّ الكذب من صفات المنافقين، وقد ذمّ رسول الله الكذابين ونهى عنه لأنه فساد عظيم أكبر من النميمة والغيبة، لأنّ الكذّاب يستطيع تحويل الحقائق وتشويهها وتزويرها ويوقع المجتمع في أعظم الشرور، ولهذا يقول الشاعر:
لي حيلةٌ فيمن ينمُّ
وليس في الكذّاب حيلةْ
من كان يخلقُ ما يقولُ
فحيلتي فيه قليلةْ
نعم حيلتنا قليلةٌ في مثل هؤلاء، ولكنّ الله لا بدّ أن يكشفه للناس ويُظهر أمره ولو بعد حين، لأنّه لا ينجو إلا الصادقون يقول الله عز وجل: ((قال الله هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم))، فالصادقون المؤمنون ناجون مؤمّنون في الدنيا والآخرة، وتعسا للكذّابين المنافقين.
ابتلي التاريخ الإسلامي بمجموعة من الكذّابين المزوّرين للحقائق بالأشعار والأخبار، في كل عصر من عصوره منذ الزمن الأول حتى اليوم وإلى ما شاء الله، وهذه الأشعار المزورة المكذوبة على أصحابها والمنحولة تنقسم إلى أنواع، منها الذي يضر ويغيّر من حقيقة الأحداث لأجل هدف سياسي أو مذهبي أو منفعة ما يُراد منها ولو كان فيها أذى للآخرين، من مثل الكذب في سيرة الرسول الأمين وخلفائه الراشدين والأحداث الخطيرة التي عصفت بالإسلام كمقتل الحسين رضوان الله عليه..
فقد جاءت في مقتله روايات وأشعار لا يصح أكثرها بسبب ورودها عن طريق أبي مخنف لوط بن يحيى الأزدي وغيره من المتروكين، وأبو مخنف هذا مردود ليس بثقة، بل قالوا عنه إنه هالك لا تصح روايته.. ولنقس على ذلك أخباراً كثيرة تحتاج إلى البحث والتحقيق، وأشعاراً تحتاج إلى التدقيق ومعرفة قائليها وصحة نسبتها، أو على الأقل تحديد زمن الشعر الذي قيلت فيه عن طريق دراسة الأسلوب والمفردات، وكل ذلك من أجل الوصول إلى الحق وعدم الإضرار بالتاريخ.
هناك أيضاً من الشعر المنحول المكذوب الذي لا فائدة منه ولا ضرر، وكان يوضع من أجل إمتاع الناس وقت أسمارهم، من مثل قصص الزير سالم وأبي زيد الهلالي في تغريبة بني هلال التي يسمر بها البدو والحضر وهم فيها سواء في شرق البلاد العربية وغربها وتعجبهم كثيراً، وكذلك قصص عنترة العجيبة التي تزيد في مجموعها عن الأفلام الهندية، وكل ما روي فيها من الأشعار كذبٌ لا يصح عن عنترة، بل لم يرو عن عنترة إلا المعلقة المشهورة وعدد قليل من القصائد، أما الديوان الكبير فأكثره منسوب وليس له.
من الطريف أنه لم ينسب الكذابون الأشعار إلى العرب في العصر الجاهلي والإسلامي فحسب، بل وصل بهم الأمر أن بلغوا أبانا آدم وجعلوا له أبياتاً يرثي فيها ابنه، ثم تجاوزوه حتى وصلوا إلى إبليس وجعلوه يردّ عليه، فقالوا: لما قتل ابن آدم أخاه بكاه آدم، وقال:
تغيّرت البلادُ ومن عليها
فوجه الأرض مغبرٌّ قبيحُ
تغيّر كلُّ ذي طعمٍ ولونٍ
وقل بشاشة الوجه المليح
فأجابه إبليس:
تنوح على البلاد ومن عليها
وفي الفردوس ضاق بك الفسيحُ
وكنت بها وزوجك في نعيمٍ
من المولى وقلبك مستريحُ
وهذا الشعر لو تأملنا من الأشعار المضحكة، فمن روى هذا الشعر عن آدم أبينا حتى وصل إلينا؟! وإذا سلّمنا جدلاً أنّ لآدم شعراً ورويناه عنه فمن روى شعر إبليس اللعين!!
هذا وفي الختام علينا أن نحذر من هذه الأشعار المكذوبة، ونتثبت منها ومن قائليها في القديم والحديث على حد سواء.