لم يزل الشعر ديوان العرب ومن مصادر كتابة التاريخ المهمة، فقد جمّعوا فيه كل أخبارهم ومآسي حروبهم وانتصاراتهم وأحداثهم، في وقتٍ لم تكن هناك آلة إعلامية ولا كتب مطبوعة لتحفظ هذه الأخبار، غير آلة الشعر التي كانت له منزلة خاصة في قلوبهم؛ حضرهم وبدوهم وتابعهم ومتبوعهم.
ولهذا لما بدأ علماء الإسلام بتدوين تاريخ الإسلام وأخبار العرب وأنسابهم وجدوا كثيراً من ضالتهم فيه، ولكنهم كانوا يتحرّون الصحة والرواية الموثقة ما أمكنهم ذلك، بسبب مجيئهم بعد زمن بعيد عن الأحداث التي قاموا بتسجيلها، ولهم منّي كل التقدير والاعتزاز بهم بسبب حرصهم الشديد على تمييز الصواب من المحال، وتبيين الأشعار الحقيقية من تلك التي اخترعها الشعراء في وقت أسمارهم ولهوهم ليُسعدوا السُمّار في نواديهم على حساب النقل الصحيح، ولكنّ علماء التاريخ تصدّوا بالتبيين لكثير من هذه الأشعار المختلقة في كل العصور الماضية.
إذا كان الكذّابون قد تجرّأوا وكذبوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعلى أصحابه، وقد أنبأه الله بما سيكون من بعده فقال محذراً: "من كذب عليّ متعمّداً فليتبوأ مقعده من النار"، فإنّ الكذب على من دونه من الشعراء وأعلام الناس منذ الجاهلية حتى اليوم سهلٌ ميسّرٌ لهم، وهذا شعر الإمام الشافعي شاهد، فقد زاد من سبع قصائد في زمنه إلى ديوان شعري كامل بعد خمسة قرون، وكذلك أشعار الجاهليين من أمثال عنترة وطرفة وغيرهما.