كلُّ يومٍ تثبت لنا الأبحاث التاريخية العربية منها والأجنبية وبنوعيها الواقعي والمبالغ فيه بأنّ أصول كثير من العلوم الحديثة مردُّها إلى اكتشافات العلماء المسلمين الأوائل الذين عاشوا في القرون العلمية الأولى الإسلامية التي اتخذت من العلم وأهله شعارا للسياسة العامة ودثاراً لقيادة العالم بأسره عندما كانوا سادة الدنيا، وحالهم كحال الدول الكبرى المتقدمة اليوم، وكان هؤلاء العلماء آنذاك متفرقين في أقطار العالم الإسلامي شرقاً وغرباً فمنهم جماعات في بغداد ودمشق والقاهرة ومنهم عاش في الهند وفارس وبلاد تعرف بما وراء النهرين وبعضهم استوطن بلاد الأندلس الرائعة، وآه من هذه الأخيرة التي فقدناها وهي في أوج عطائها والتي قامت بنقل علومنا كلها إلى بلاد أوروبا فاستفادوا منها بما لا يمكن الأوروبيون أن يقدّروها اليوم بثمن أو يقوموا بقياس ما ورثوه منّا من حضارةٍ بكل حضارات العالم القديم.

نعلم جيداً بهذا المجد الغابر ونقرُّ به وندندن حوله طيلة القرون الماضية، ولكن ما الفائدة المرجوة من كل هذا التباهي والادعاء بالحق وبالباطل بأننا أصل حضارة الغرب ونحن قد توقفنا عن إمداد العلم والبشرية منذ أكثر من سبعة قرون تقريبا بالمكتشفات والاختراعات والقوانين العلمية التي كانت تصدر من علمائنا إلى جميع الناس ويستفيد منّا العلم بكل أنواعه، والمؤسف المبكي أنه لم يبق لنا إلا علوم الفقه مقلدين فيه غير مجتهدين واللغة العربية من غير تجديد وشيء قليل من المنطق والفلسفة واهتمام بالشعر والأدب وقد زاحمه اليوم بقوة اهتمام الناشئة بالروايات الخيالية، ولنسأل أنفسنا هذا السؤال الصعب: هل سيفخر بنا أجدادنا العلماء الذين ملأوا الدنيا في زمنهم من المخترعات والاكتشافات والبحوث على قلة ما في يدهم من الأموال والإمكانيات المتوافرة في زمننا هذا؟ الجواب أيها الأعزاء أجده في قول معروف الرصافي :

 

وخيرُ الناس ذو حسَبٍ قديمٍ

                          أقامَ لنفسهِ حسباً جديدا

وشر العالمينَ ذوو خمولٍ

                      إذا فاخرتهمْ ذكروا الجدودا

 

لقد صدق شاعرنا فيما قاله وأصاب كبد الحقيقة، فمن يفتخر بجدوده ولا يتشبّه بهم ويكمل بناءهم الذي بنوه وتعبوا في بنائه وتحصينه فإنّه من شر العالمين وقد ضيّع جهود أجداده وأضاع نفسه في وقتٍ واحد فهل نريد أن نكون من هذا الصنف؟ لا وألف لا، بل نريد أن نقوم بنهضة علميةٍ تعيد لنا حقوقنا المسلوبة في العلم.

لا أريد ولا أتمنى أبداً أن نصل إلى هذا المستوى من جلد الذات والبكاء على أطلال الماضي، والاهتمام المبالغ فيه بالتاريخ العلمي لعلمائنا السابقين ونحن لا نفهم شيئا من نظرياتهم ولا نطبقها ولا نستطيع تنفيذها كما يفعل الغربيون اليوم في مثل جامعة مانشستر البريطانية وغيرها من الجامعات التي تحاول إعادة اختراعات المسلمين، وقد نجحوا في إعادة تصميم كثير منها لأنهم يملكون القواعد العلمية والمصانع التي تمدهم بكل ما يريدونه.

نحن اليوم أمامنا طريقان لا ثالث لهما - والاختيار لنا-: إما أن نبدأ في شقّ طريق المعرفة المتكاملة ذاتاً وآلةً وترويجاً لكي نحظى بتنميةٍ شاملةٍ مستدامة، وإما أن ننوح على الماضي الغابر الذي لن يعود أبداً لنبقى أمةً مهزومةً يستصغرها الأعداء ويرونها صيداً سهلاً لا خوف منه.