قد يثير هذا العنوان كثيراً من الأسئلة، أو يرسم كثيراً من علامات التعجب، على وجوه القرّاء الكرام، فكيف يكون ما يسمّيه العالم كلّه بالهاتف الذكيِّ - لديك يا صاحب المقالة - هاتفاً غبيّاً؟ بل سيزيدون ويقولون: إنّ هذا إجحاف عظيم، بحق كل المخترعات والمخترعين في مجال الاتصالات، وكل ما تم اكتشافه من التقنيات الحديثة، وما أُنفق عليها في البحث والتطوير وتأسيس الشركات العملاقة،التي تقدر رؤوس أموالها، بما لا يحصى من المال، إنّ هذا لبهتان كبير!
وأجيب عن ذلك بقولي: ومن قال إنّ هذه الهواتف ليست ذكية، ومفيدة، وتحتاج إليها البشرية في كل أعمالها، وأنا صاحب هذه الكلمات منهم، وممن يستخدم كل جديد في هذه التقنيات، وأحث عليها وأتمنى أن تصل عقولنا العربية إلى ربع عقول هؤلاء المخترعين الأفذاذ في العالم المتقدم، ولكني عنيت بوصفي هذه الهواتف بالهواتف الغبية موضوعاً خطراً، ألا وهو التواصل وعدمه بين الناس والأهالي والأصدقاء، فقد بلغ الأمر من السوء غاية قد ينطق منها الحجر، بسبب ما يحدث بيننا من فرقةٍ واختلافٍ، ونحن نجلس سوياً في مجلس واحد، فلا غرابة أن يكون هذا الهاتف غبياً، ومذنباً في هذه الحالة، لأنه يفرق بيني وبين من عشت طيلة حياتي، وأنا أحدثه ويحدثني، ونسمر سوياً ونتقاسم هموم الحياة معاً، ولكنا الآن أصبحنا نشاطر الأغراب ما يهمّنا، ونراقب البعداء، ونخطب مودتهم، بدلاً عن مودة أهلنا وأصدقائنا الأدنين.
لقد فرقتنا التقنيات الحديثة، وجعلتنا أبعد ما نكون عن بعضنا البعض، ونحن في بيتٍ واحدٍ، من دون أن نفطن لهذه المصيبة الكبرى، ونحن في نفس الوقت في حاجة ماسة،لاستخدام هذه الهواتف الذكية في حاجاتنا اليومية، خاصة أنّ حكومتنا الرشيدة بأمر سيدي صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، رعاه الله، تقوم بالانتقال السريع إلى الحكومة الذكية، التي تجعل جميع خدماتها في جهازك الجوّال.
أيها الأعزاء نحتاج إلى موقف شجاعٍ منّا، ومن جميع مستخدمي الهاتف الذكيٍّ، أن نخصص لأهلنا وأبنائنا وأصدقائنا أوقاتاً، لا يشاركنا فيهم أحد من العالم الافتراضي، لكي تكون هواتفنا حقّاً ذكيةً، كما نحب ويحب آباؤنا وأمهاتنا وأخواتنا، ومن نقدّر من الناس، وتقول عن ذلك كاثرين ستينر أدير في كتابها "أزمة اللا تواصل": "لكي تكون أباً جديراً بالمسؤولية، لا بد أولاً أن تفصل ما بين عاداتك التكنولوجية وواجباتك التربوية، حيث همشت التكنولوجيا احتياجات الأطفال في هذه المرحلة، من ترفيهٍ وعطلاتٍ وقصصٍ وروايات، والجدير بالذكر أنّ الكثير من الآباء يعترفون بتنحية احتياجات ومتطلبات أطفالهم جانباً، مبررين ذلك بحاجاتهم الماسة إلى إرسال الرسائل الرقمية، أو التغريد، أو التصفح".
وفي الختام أقول لكم: نستطيع بأيدينا تحويل هذه الأجهزة الذكية إلى غبيةٍ، إذا أسأنا استخدامها، في غير وقتها، أو بالغنا في الاستعانة بها، في غير وجهها الحقيقي.