أزمة العصر الحديث ليست في كثرة تقنياته وسرعة أحداثه وتقارب أيامه ولا اختصاره في قريةٍ صغيرةٍ تجمع المليارات من البشر ولكنها أزمة عظيمة وكربة أصيب بها جميع الناس صغيرهم وكبيرهم وغنيهم وفقيرهم وكافة طبقات المجتمع من متعلمين ومن هم دونهم، إنها باختصار أيها الأعزاء: أزمة "اللا تواصل" العجيبة، فترى الناس مجتمعين وليسوا بمجتمعين، وجلساء ندماء وليسوا بجلساء ولا ندماء، ويتحدثون وقلوبهم في أماكن أخرى من العالم وينظر بعضهم إلى بعض ولكنهم في حقيقة الأمر ينظرون إلى الشاشات الصغيرة التي في أيديهم من أجهزة الهاتف والآيباد وغيرها التي فرضت نفسها علينا وجعلتنا تحت أمرها ورهن إشارتها لا نستطيع دفعها عن حياتنا ولا يمكننا التخلّص منها لأنها أصبحت كالطعام والشراب.
ومن باب الطرفة وتأثير هذه التقنيات على قلوب الساذجين أذكر قصة عندما بدأت أجهزة الهاتف باستخدام "البلوتوث" وكان الشباب آنذاك مولعين بإرسال لقطات الفيديو والصور فيما بينهم وكنا نظنها فتحاً عظيماً من العلم بعد تقنية نقل البيانات عن طريق الأشعة تحت الحمراء المتعبة، ولم نكن نظن أنّ هناك تقنيات ستأتي بعدها تضعفها حتى لا يكاد أحد يستعملها، وكان لنا صديق كبير في سنه من البدو يسمع الشباب يقولون: أرسل لي بلوتوث الآن، وهي عادة تكون مقاطع فيديو مضحكة والبدوي الكبير يراهم يضحكون ولا يدري ما هو الداعي لهذا الضحك، وحدث مرة أنه قدم بعد صلاة العصر: ووجدهم صامتين فقال لهم متعجباً بلهجته: أيهاه (للتنبيه).. لا فواله (فواكه وحلويات تقدم للضيوف) ولا بلوتوث، فضحك أصحابه منه لأنه ظنّ بأنّ البلوتوث نوعا من الحلوى.
لعلّ تعجب كبير السن هذا وظنه أنّ البلوتوث من الفاكهة والحلوى لا يستغرب منه لأنّ ولع الشباب في ذلك الوقت به جعله يظن هذا الظن، ولم تكن هواتفنا ذكية في ذلك الوقت كما نراه اليوم، والتي جمعت العالم كله في حجم كف الإنسان، وهذا لو فكرنا فيه قليلا لوجدناه من أعجب العجائب، وهو نفسه الذي جعل الناس في كل أقطار الدنيا مشغولين به ولا يحزنون على ضياع أوقاتهم أو أموالهم ولا حتى فقدان أصدقائهم إذا بقي هذا الهاتف الجوال موجوداً عندهم لأنهم صاروا معلّقين به حد الإدمان بعد استيقاظهم مباشرة من الصباح الباكر حتى خلودهم للنوم مساء لا يفترقون عنه ولا يملون.
أزمة "اللا تواصل" خرق يزيد اتساعه كل يوم بل فجوة تزيد بين الأجيال والأهل والآباء والأبناء، وهنا يكمن الخطر الأعظم الذي يهدد المجتمعات خاصة المجتمعات المحافظة التي تمتاز بعاداتها وتقاليدها، مثل مجتمعات الخليج العربي الذي لم يتغير طيلة القرون الأولى، وخلال عقدين من الزمان قفز قفزات كبيرة في كل شيء من غير دراسة للعواقب التي قد تترتب على نفسيات الناشئة والمجتمع الذي اجتاحته حالة من الذهول والعجز والفرقة ودخول عادات غريبة عليه لم تعرفها الأجيال السابقة حتى بدأت الأجهزة المعنية تنادي بقوة للعودة إلى الأصالة والعادات، ولكن كم نسبة الاستجابة لهذه الدعوات وقد اختلط الحابل بالنابل وزاد الماء على الطحين كما نقول في لهجتنا؟
تقول كاثرين ستينر أدير في كتابها القيّم "أزمة اللا تواصل" : شهدت العقود القليلة الماضية توجهاً ملحوظاً نحو عالم الشاشات والإلكترونيات لتجوب الثورة التكنولوجية أنحاء العالم وتخترق الصفوف والروابط الأسرية ما بين أبناء يراسلون ويغرّدون وآباء يبحثون ويتصفحون، وقد أطاحت تلك الثورة المعلوماتية الاجتماعية بالحواجز والدروع الأسرية الواقية التي طالما تسلح بها الآباء ليحصّنوا الصغار ضد آفات عالم البالغين الكبار".
وللمقالة بقية غدا إن شاء الله..