نسمع كثيراً كلمة "سامحني" بين الابن وأبيه والزوج وزوجته والصديق وصديقه وهلمّ جرّا. وقد يكون طلب المسامحة من الطرف الأقوى للطرف الأضعف والعكس هو الأكثر ولكنهما أمران يقعان. أحدهما قليل والآخر كثير بسبب المنزلة الاجتماعية أو العمرية، ولا يتنازل القويُّ ويطلب العفو والمسامحة إلا لتواضعه وثقته بنفسه ومكارم أخلاقه وإلا فلا شيء يدعوه للتنازل وطلب المغفرة وهو أمر قد يعدُّه المتكبّر الجوّاظ آفةً وذلةً وضعفاً لا يجوز في حِسبانه أن يتصف به، وإن قرأ وعلم بقول رسول الله : " لا يدخلُ الجنّة من كان في قلبه مثقال ذرّةٍ من كِبْر".
ومن جميل لهجتنا الشــعبية بأنه إذا قال أحدهم لصاحبه : سامحني، فإنه يرد عليه قائلا : الله يسمح ذنبك، وهــذه إجابة لو تفكّرنا فيها لعلمنا أنها عظيمة ولم يتكلم بها أجدادنا اعتباطا بل إن الشخص الذي طُلب منه الصفح والعفو لم يعف ويسامح فقط، بل زاد ودعا الله أن يسمح ذنبه ويعفو عنه وهذا أبلغ أنــواع العــفو إن كانت النية صادقة.
وإني كلما تفكّرت في هذه الآية العظيمة:" وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ ، وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ" تسري في جسدي قشعريرة غريبة من عظمة هذا الكتاب العزيز وعظمة ديننا الحنيف فإنّ الله عزّ وجلّ ذكر أنّ الحسنة التي نقدّمها ليست كالسيئة..
ولا تستويان أبدا، ولهذا أمرنا بتقديم الحسنات ودفع الشر عنّا بالتي هي أحسن وأفضل عند الله وعند الناس حتى يكون الذي بيننا وبينه عداوةٌ وبغضٌ كأنه وليٌّ وابنُ عم حميم وقريب، ولم يكتف بهذا سبحانه وتعالى بل حصر هذا الخُلُق الكريم في الصابرين الذين لهم حظ عظيم لن يصله أو يناله أبدا المتكبّرون المتغطرسون!.
التسامح والعفو والصفح والمغفرة كلمات جميلة ومفردات رائعة وأسلوب حياة راقٍ لا يصل إليها إلا أصحاب الحظوظ العظيمة الذين خصهم الله بهذا الفضل، وقد عرفت هذا الخُلُق كثيرا في أهلنا الماضين وكبار السن وقد دونت قصصهم وكثرة عفوهم وبعضهم من أهل المقدرة من الشيوخ والأعيان، خاصةً مع ذويهم وأصحابهم فهم أحنُّ بكثير من الأجيال الحديثة على قلة علم السابقين ومعرفتهم بالعلوم ولكنهم عرفوا الله وعظّموا شعائره وطلبوا المغفرة منه بعفوهم عن الناس.
كان الشيخ سعيد بن مكتوم آل مكتوم -رحمه الله- حاكم دبي (1912-1958م) معروفا بالصفح والتسامح حتى صار مضرب الأمثال في العفو للقريب والبعيد مخافةً من الله ومن كثرة مكارم أخلاقه، وقد حدث أن أخطأ رجل من عمّاله فهرب، واختفى خوفا من الشيخ سعيد. ولما أعياه الاختفاء أنشد تغرودة:
بتوب توبه ما وراها هنّه
لسعيد كانه ذنبيه ممحنّه
وابليس يا كم واحدٍ مغونّه
قبلي غوى ادم واخرجه من الجنّه
فلما سمعها الشيخ سعيد قال: قولوا له إنّي لم أغضب منه وليهوّن على نفسه ويأتينا!.
وسؤالي كم بقي من هذا التسامح في الأجيال الحديثة التي أعمت بعضها الماديات والمظاهر الخدّاعة للأسف عن الحقيقة واتباع أوامر الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، وتقليد الأجداد الكرام؟!.