كثيرون يحاولون غرس محبّتهم في قلوب الناس بشتى الطرق التي يجدونها ميسّرةً لهم، أحقّاً كانت أم باطلاً، إما من أجل الشهرة أو من أجل بعض المطامع الدنيوية، كفوزٍ في انتخاباتٍ أو تسهيلٍ لأمور أعمالهم أو ليتمكّنوا من تنفيذ خططٍ معيّنةٍ قد تكون في مصلحة المحبّين أو تكون في مضرّتهم وإلحاق الأذى بهم وهم لا يشعرون، وفي نهاية المطاف الهدف واحد وهو الوصول إلى القلوب.
لكن هؤلاء نسوا أنهم وإن تغلغلوا إلى قلوب الناس بذكائهم وحسن مظهرهم وبروزهم في الإعلام اليومي، فقد يسقطون من الطابق العلوي الواقع في أعلى بنايات هذه القلوب إلى أسفل سافلين، لأي خطأ قد يرتكبونه أو يقوم الإعلام برميهم بسهامه التي لا تخيب، فيصبحون يقلّبون أكفّهم على ما خسروه، هذا إن لم يقدموا على الانتحار القسري من قلة الإيمان بسبب الفاجعة التي يمرّون فيها والعياذ بالله، والأمثلة كثيرة على ذلك.. ولكن هناك أمر آخر لا يعرفه هؤلاء، فقد جاء في حديث سيدنا المصطفى عليه الصلاة والسلام قال: «إذا أحبّ الله تعالى العبد، نادى جبريل إنّ الله تعالى يحب فلاناً فأحببه، فيحبّه جبريل، فينادي في أهل السماء: إنّ الله يحب فلاناً فأحبوه، فيحبّه أهل السماء، ثم يوضع له القَبول في الأرض» أخرجه البخاري ومسلم، هذه هي المحبة الحقيقية التي يغرسها الله لمن يحبه في قلوب خلقه، وتكون محبةً دائمةً خالدةً، وأكبر مثال معاصر على هذه الظاهرة هي إجماع الناس على محبّة قائدنا وباني نهضتنا الشيخ «زايد» رحمه الله رحمة واسعة، وجزاه بالمغفرة والإحسان كما أحسن فينا ورفق بنا وأغنانا عن الناس.
لعلّ بعضاً منّا ومن المقيمين في دولة الإمارات العربية المتحدة، يظنُّ أنّ الشيخ «زايد» لم يعرف عطاؤه وكرمه الذي تضرب به الأمثال إلا بعد وصوله إلى حكم إمارة «أبوظبي» في أغسطس 1966 وبعد ارتفاع دخل بيع النفط واستثمار عائداته، وهم لا يلامون على ذلك لأنّ الإعلام والمناهج التعليمية لا تكاد تذكر شيئاً عن تاريخ الإمارات قبل النفط، خاصة عن حياة الشيخ «زايد».
لهذا سأنقل لكم أيها الأعزاء شيئاً قليلاً عن كلمات بعض السياسيين والرحالة حول شخصية الشيخ «زايد» في شبابه، يقول الرحالة الشهير ولفريد ثيسجر عندما التقاه في سنة 1946: «إنه قوي البنية جداً ينمُّ سيماه عن الذكاء ويحملك الانطباع الأول بأنه شخص هادئ يتمتع بالمقدرة والكفاءة، كم كنت شغوفاً بلقاء زايد الذي طارت شهرته في أوساط البدو لبساطة تصرفاته غير الرسمية ولمودته التي يبذلها لهم»، وكذلك قال الممثل البريطاني بويستد: «تعجبت من كرم زايد الكثير والحشود الكبيرة التي تحيط به فكأنه قدّيس؛ فالرجل سخيٌّ جداً متلافٌ لماله، حلو الحديث طيب العشرة يلاطف الجميع وهو مرح المزاج».
أخبرني المؤرخ الراحل حمد بوشهاب، رحمه الله، بأنه كان يعمل في مكتب تجاري لبيع مضخّات المياه في دبي، فرأى في كشف حساباتهم اسم الشيخ «زايد» في أواخر الخمسينات، فلما سأل صاحب المكتب قال له: إن الشيخ «زايد» يشتري مرات بالنقد مضخات ليوزعها على المزارعين في العين، ومرات لا يكون عنده المبلغ كاملاً فيوفيها لنا بعد ذلك لكي لا يتوقف عن مساعدة أهل العين ولو بالدين..!
نحن في ذكرى الشيخ «زايد» تهمل دموعنا على فراقه ولكننا نجعلها أيضاً ذكرى ورمزاً للعطاء تخليداً لذكراه، ولهذا قال سيدي صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، حفظه الله، بعد الاحتفال، أمس، باليوم الوطني للعطاء الذي يصادف ذكرى رحيل «زايد»: «أمرنا بتغيير مسمى يوم «العمل الإنساني الإماراتي» إلى يوم «زايد للعمل الإنساني»، ما زال زايد يلهمنا لأعمال إنسانية لا تتوقف، «يوم زايد للعمل الإنساني» هو تخليد لما كان يحبه من البذل والعطاء.. ولنرسخ دولتنا كعاصمة عالمية لعمل الخير، كما أرادها دوماً «زايد»، لقد أحبنا الكثير من شعوب العالم بسببه رحمه الله، هو قائد تاريخي له نظرة إنسانية واسعة أكسبته مكانة عالمية خاصة».