قال لي أحد الصحافيين الأجانب: قربكم وحبّكم لحكّامكم محلُّ استغراب منّا نحن الأوروبيين، ونظرتكم لهم تختلف جداً عن نظرتنا لرؤسائنا، فهم لا يعنون لنا شيئاً ولا نعدّهم إلا منفذّين لقرارات أحزابهم التي رشّحتهم، وكم نعاني منهم فإنّ قليلاً منهم من يسير فينا بسيرةٍ محمودةٍ، ولولا أنّ بلداننا تحكمها الشركات التجارية الكبرى ومصالحها العالمية والضرائب الكثيرة التي يجب دفعها من شعوبنا، لكنّا اليوم في وضعٍ مختلف! فاخبرني ما سرُّ تعلقكم وتقديركم وإخلاصكم لشيوخكم بهذا الشكل الغريب؟ قلتُ له: أرأيت لو صحبت رجلاً عشرين سنة وكان هذا الرجل يداريك ويلاطفك وإذا احتجت أعانك، يحضر أفراحك ويواسيك يوم حزنك ويسهر على راحتك، كيف ستنظر إلى هذا الصديق؟ قال: هذا سيكون أقرب من ولدي وأهلي في قلبي وفكري، ومن يفعل هذا في هذه الأزمنة؟ بل من يطيقه وكأنه من قصص ألف ليلة وليلة؟!

قلتُ له: هؤلاء هم حكّامنا الكرام منذ قرونٍ طويلةٍ لم يتغيروا ولم نتغير عليهم، نحبّهم ويحبوننا ويبذلون لنا الغالي والنفيس حتى في ذلك الزمن الشديد الذي ليس فيه من مقوّمات الاقتصاد إلا شيء قليل كانوا يقومون بنفس الأمر، فلما فتح الله عليهم كنوز الأرض نقلوا حياتنا من حال الفقر والشدة إلى هذه الحضارة التي تراها، قال لي: هذا شيءٌ عجيبٌ فنحن لا نشعر بما تشعرون به ولا علاقة لنا بالحاكم، وقد عرفت سرّ تعلقكم بحكامكم فهم منكم ولا فرق بينكم وبينهم.

لا ألوم هذا الأوروبي على تعجّبه واستغرابه، فهم يعيشون في حياةٍ عجيبةٍ مع اعترافنا بحضارتهم وتقدمهم فيها والتي بلغت مرحلة الشيخوخة الآن، ولكنهم فقدوا كل أنواع الترابط الأسري والمجتمعي، وتحولوا إلى شبه الآلات للإنتاج ولم يعد عندهم شعور بهذه العلاقات الإنسانية في البيت الواحد، فكيف سينظرون إلى حاكمٍ لا يمتُّ لهم بصلة وإنما هو شخص ينفّذ مخططات حزبه الذي جاء به إلى الحكم!

لم أخبر هذا السائل عن سيرة القائد الخالد الباني الشيخ زايد بن سلطان، طيّب الله ثراه، ولو أخبرته بأعماله وإنجازاته وإحسانه وعطفه ورحمته وشهامته وعطائه وآدابه، فلن يصدّقني أبداً وسيقول لي: هذه أسطورة من أساطير الأولين، وإن يقل ذلك فسأرد عليه: بل هو حقُّ اليقين تشهد على تاريخه حتى الطيور في وكناتها (أعشاشها).

لا أجد أبياتاً أستطيع أن أصف فيها الشيخ زايد أجزل وأجمل وأدق من وصف صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم - حفظه الله - له فيقول:

 

يا سحابه قدرها فوق السحاب

                              لا يصيبك باسْ يا بحر الندى

تحـت غيثك كلّ أنواع الشـراب

                            الحيا لاهلك وموت لمـن عـدى

عذبه لجـارك وللعـادي عذاب

                         كـم سقيـت المعتـدي طعـم الــرّدى

يا يـدٍ فيها الشـجاعه ما تهـاب

                           كــل غـالي لاجلهــا يعلـه فــدى

تحمليـن الضـرّ عنـا والصعاب

                            وتدفعين الضـيم ليـن آخـر مدى

 

نعم هذا هو الشيخ "زايد" الذي خلّدت ذكره أعماله العظيمة وتغنّى كبار الشعراء بمنجزاته، فكلُّ ما يقال فيه لا يُعدُّ مبالغة فقد كان أهلاً لكل خير، ويعجبه رحمه الله الشعر والمدح لأنه يحثّه على مكارم الأخلاق ومعاليها وكما قال أبو تمام:

ولولا خلالٌ سنّها الشعرُ ما درى

                 بغاةُ العلا من أين تؤتى المكارمُ

 

قلتُ يوماً لسمو الشيخ منصور بن زايد - حفظه الله - وكان في ذلك الوقت في بداية عمله مع والده: ما هي أوامر الشيخ "زايد" التي يأمركم بها كلّ يوم؟ قال لي: "اعطوا، ادفعوا، ابنوا، ازرعوا، امنحوا، وكل أمرٍ فيه بناء ورحمة وعطاء وعطف على الناس يعينهم على حياتهم ويضمن رفاهيتهم داخل الدولة وخارجها"، فخرجت من عنده وأنا أدعو له، والآن بعد رحيله أدعو بهذا الدعاء باستمرار: اللهم ارحم الشيخ زايد ووسع مدخله وجازه بالإحسان عنا وبارك في ذريته آمين.

هذا وللمقالة بقية غداً إن شاء الله..