غربة اللغة العربية بين أهلها لا تخفى على كل متأملٍ بالأحوال والأحداث التي تدور حولنا من تعليمٍ وتجارةٍ وأعمالٍ حكوميةٍ ومطاعم وملاهٍ، حتى بين أفراد الأسرة العربية الواحدة المعرقة في العروبة نجد العجب العجاب، فالوالد يحثُّ أبناءه وبناته على اللغات الأجنبية ويحدّثهم بها وهو يشعر بالفخر والزهو بأنهم يرطنون بغير لغة عزه ومجده وهم من عرقٍ عربيٍّ صريحٍ وفي بلاد عربية عريقة.

منذ فترة التقيت مجموعة من المسلمين وحدثوني عن عشقهم للعربية لأنها لغة القرآن الكريم ولسان الرسول المصطفى عليه الصلاة والسلام ويقدسونها جدا حتى أنّ أحدهم بدا عليه التأثر لأنه لا يعرفها ورأيت دمعه يهمل من عينيه حزنا على جهله بها، وقال لي: أتمنّى أن أحصل على بعثةٍ دراسيةٍ إلى دولة عربية لأتعلم اللغة العربية وهذه أكبر أمنيةٍ لي.

قلتُ: عجباً لحالهم وحالنا هم يتمنون دراسة العربية ويشعرون بقدسيتها ويبكون لعدم معرفتها، ونحن أبناؤها نتبرأ منها وهي لغتنا الجميلة الخالدة ونتشدق بالرطانة بلغةٍ أخرى زائلة تتجدد كل شهر وصوتها أشبه ما يكون بآلات قطع الحديد.

اللغة هي الرابط الأسمى بين المجتمع الواحد وإن اختلفت أعراقهم؛ فمن لغته غير لغتك فإنه لا يمتُّ إليك بصلةٍ ولا يشعر بك ولا يهتمُّ بأمرك وليس لك عليه أمر، وإنما يصل ويهتمُّ ويشعر بمن يشاركه لغته القومية وولاؤه المطلق له ولا يشكُّ في هذا الأمر أحد، كذلك من ينصرف عن لغته الأم فهذا له نفسية قد أصيبت في صميمها وشخصية أصبحت ضعيفة مهزوزة لا تصلح وقت الأزمات والمهمات الكبرى عندما يطلب الوطن التضحية والفداء، لأن سقوط مكانة لغته القومية من مكانها الطبيعي في نفسه يؤدي إلى سقوط كل المسلّمات والفطرة الصحيحة التي تجاهد الأمم المتقدمة للمحافظة عليها وتقوم بتقويتها في قلوب الأجيال الحديثة ولهذا يصحُّ أن يقال إن اللغة لا تمثل نصف الولاء للمجتمع فقط بل قد تكون تمثل الولاء كله لو كان قومي يعلمون.

وفي ختام المقال أترككم مع أبيات لشيخ الأزهر محمد الخضر حسين رحمه الله التونسي الأصل (1876-1958) يمدح اللغة العربية ويثني على مجمع اللغة العربية في القاهرة:

جَرى ماءُ الحَياةِ بِوَجْنَتَيْها

فَهَنَّأْنا الْيَراعَةَ والمِدادا

وَقُلْنا لِلْمَنابِرِ: ذَكِّرينا

"عَلِياًّ" حينَ يَخْطُبُ أوْ "زِيادا"

فَيَا لُغَةَ النَّبِيِّ سَقاكِ عهْدٌ

مِنَ الإِصْلاحِ يَنْتَظِمُ الْبِلادا

فَما مِنْ حاجَةٍ لِلْعِلْمِ إِلاَّ

يُقيمُ لَها بِحِكْمَتهِ سِدادا

يَصونُ هِدايَةَ اللهِ اعْتِزازاً

بِها وَأَضاعَها قَوْمٌ عِنادا