رابعة العدوية التي يتجمهر منذ فترة عند مسجدها "الإخوان" وكثير منهم يجهل سيرتها الطيبة إن لم أقل كلهم إلا قليلا جداً من متعلميهم لأنّهم لو علموها لما بقي واحد منهم هناك، ولا ابتعدوا عن مسجدها ولم يؤذوها بمطالبهم وبحثهم عن الرئاسة التي أخذوها وهم غير أكفاء لها ففقدوها سريعا إلى الأبد، والأولى لهم أن يختاروا مسجدا آخر غيره فهي تأبى، رحمها الله، الحديث في الأشياء القليلة من أمور الدنيا فكيف بالأمور الكبرى كالحكم وغيره، وكانت تنهى من يحدثها عنها إلا إن كان حديثا في خيرٍ أو إصلاحٍ أو ذكرٍ لله أو علمٍ طيلة حياتها حتى لاقت ربّها بل قالت أكثر من ذلك عندما سمعت رابعة أحد الوعّاظ وهو صالح المرّي يذكر الدنيا في قصصه ومواعظه، فنادته: "هيه، يا صالح من أحبّ شيئاً أكثر من ذكره".

ولدت رابعة بنت إسماعيل في سنة 100 للهجرة وتكنى أم عمرو من أهل البصرة وولاؤها للعُتكيين وشهرت برابعة العدوية، ورابعة اسم جميل وهي المرأة التي تكف عن زوجها إذا غضب مداراة له ومحافظة عليه، يقول الخليل بن أحمد في معجمه "العين": النساء أربع: جامعةٌ تجمعُ، ورابعةٌ تربَعُ، وشيطانٌ سَمَعْمَعٌ ورابعتُهُنَّ القَرْثَعُ.

 قال الخليل يشرح هذه الكلمات: الجامعة هي الكاملة في الخصال تجمع الجمال والعقل والخير كله، والرابعة التي تربع على نفسها إذا غضب زوجها، والسمعمع: الصخّابة السليطة شبّهت بشيطانٍ سمعمعٍ، والقرثع: البذيئة الفاحشة، ويقال: هي التي تكحّل إحدى عينيها وتدع الأخرى لحمقها.

نشأت رابعة العدوية نشأة صالحة وعاشت بورعٍ غريب وبقيت كذلك حتى يوم وفاتها في سنة 180هـ وبسبب ورعها أكثر الناس في قصصها وغلوا ورووا عنها أموراً لا تصدّق وقد بيّن العلماء المحققون الروايات الصحيحة من غيرها وسأنقل لكم بعضا مما صح عنها، ومن قصصها المشهورة عن بغضها لذكر الدنيا ما رواه بشر بن صالح العتكي يقول: استأذن ناسٌ على "رابعة" ومعهم سفيان الثوري ـ العالم المحدّث ـ فتذاكروا عندها (العلم) ساعة وذكروا شيئاً من الدنيا فلمّا قاموا قالت لخادمتها: "إذا جاء هذا الشيخ وأصحابه فلا تأذني لهم فإنّي رأيتهم يحبّون الدنيا".

وعن عبادة "رابعة" وخشيتها تقول عبدة بنت أبي شوّال وكانت تخدمها: كانت رابعة تصلّي الليل كله، فإذا طلع الفجر هجعت هجعة حتى يسفر الفجر، فكنت أسمعها تقول: "يا نفسُ كم تنامين، وإلى كم تقومين، يوشك أن تنامي نومةً لا تقومي فيها إلا ليوم النشور".

هذا وقد رُوي عن "رابعة" قصص وشعر لا يصحُّ أن يُروى عنها ولكن أهل الغلو يلفقون قصصا لا تُعقل على كبار أعلام الإسلام وأموراً غير شرعية، وقد ذكرها أهل التحقيق والدراية في كتبهم، يقول الإمام الذهبي في كتاب (سِير أعلام النبلاء): قال أبو سعيد بن الأعرابي: أما "رابعة" فقد حمل الناس عنها حكمةً كثيرةً وحكى عنها سفيان وشعبة وغيرهما ما يدلُّ على بطلان ما قيل عنها وقد تمثلت بهذا البيت:

 

ولقد جعلـتـكَ فـي الـفـؤادِ مـحـدّثـي

                         وأبحتُ جسمي من أراد جلوسي

فنسبها بعضهم إلى الحلول بنصف البيت وإلى الإباحة بتمامه، قال الذهبي: "هذا غلوٌّ وجهلٌ ولعلّ من نسبها إلى ذلك مباحي حلولي".

وفي ختام مقالي أقول للمتظاهرين الإخوان في مصر عند المسجد الذي يحمل اسم هذه الزاهدة العابدة: لقد أسأتم إليها وإلى اسمها الصالح فهي كانت تذم أهل الدنيا الغافلين والطامعين فيها، فاتركوها فهي لو كانت هناك لقالت لكم كما قالت للإمام سفيان الثوري وصالح المرّى رحمهم الله تعالى.

اللهم أعد لمصر وسوريا الأمن والأمان وأسبغ علينا وعليهم نعمه آمين.