أجواء شهر رمضان المبارك تأخذك بعيداً عن أجواء العام كله فنسماتها تشعرك بالرحمة والسكينة والأمان النفسي وتدفعك إلى كلّ عمل يقربك إلى الله ويبعدك عن ناره فتجد الناس على اختلاف مذاهبهم وطبقاتهم الاجتماعية ودرجاتهم العلمية إذا دخل شهر الخير رأيت أسارير (تقاسيم) وجوههم متهللة وقلوبهم منشرحة كأنّها وجدت ركازا (كنزا) من ذهب، أو كانت في مهامه (صحراء) خالية لا يعرف نقاها(كثيب الرمل) من سِقطها، فسبحانه العظيم الذي هدانا إلى شهر رمضان الفضيل وأعطانا من فضله وكرمه وشرح صدورنا بمقدمه، فأهلا به ومرحبا كضيفٍ عزيزٍ على القلوب، وتتنظره النفوس بفارغ الصبر لكي يؤوب كل سنة، أعاده الله علينا وعليكم وعلى الأمة الإسلامية باليمن والبركات.
قلت في نفسي منذ فترةٍ إن شهر رمضان الكريم يحتاج فيه الكتّاب إلى أن يستريحوا قليلا من عناء المقالات العلمية والتحليلات السياسية والردود البحثية إن وجدوا إلى ذلك سبيلا لكي تكون لهم فرصة للعبادة ويقل عندهم لغط الحديث وسَقطه، وكذلك لينتقل القراء الكرام من المقال المعقد إلى مقالٍ يريح الأفئدة ويسلّى الخواطر وهذا ما سأحاول أن أددن عليه طيلة هذا الشهر المبارك وسأحضر لكم كل ما لذّ طعمه من المعارف وخف دمه من اللطائف من غير ثقَلٍ ولا مللٍ، وأعاذنا الله من ثقَل الثقلاء الذين في قربهم حزنٌ وألمٌ وفي بعدهم فرحةٌ وأملٌ.
شاع عند العرب في بلادنا أنهم إذا سمعوا كلاما غير مصدَّق أو قصصا خيالية أو كانت مستملحة ممتعة بحسب الموقف الذي تُذكر فيه؛ فإنهم يقولون مباشرة: هذي "خرّوفة" ويجمعونها على خراريف وكذلك تقول الجدات لأحفادهنّ هذه الليلة سأقصّ عليكم "خرّوفة"، وهم لا يعرفون غيرها فلا يقولون "خُرافة" مثلا كما هي في الفصحى ولا حتى خُرافي كما هو موجود في اللهجات العربية الأخرى.
و"الخرّوفة" بفتح الخاء وتشديد الراء وضمها هي القصص الخيالية التي اخترعها عربنا ليسلوا أنفسهم ويسمروا بها وأصلها الفصيح "خُرافة" بضم الخاء ومعناها القصص المستظرفة التي تروى ليلا ثم أصبحت علما على كل خبر كذب أو غير واقعي بعد ذلك، ولم يكن العرب يعلمون سبب تسمية هذه الأساطير بـ "خُرافة" بل كانوا كل ما يستظرفونه من القصص يطلقونه عليها، وقد قال معجم لسان العرب: (والخُرافة الحديثُ الـمُستَملَحُ من الكذب)، فهم لم يكونوا يعلموا بأصل اشتقاق هذه المفردة حتى أخبرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بأصل اشتقاقها، تقول عائشة رضي الله عنها: حدث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نساءه ذات ليلة حديثا فقالت امرأة منهن يا رسول الله كأن الحديث حديث "خُرافة" فقال عليه الصلاة والسلام أتدرون ما خرافة ؟ إن خرافة كان رجلا صالحا من "عُذرة" أسرته الجنّ في الجاهلية فمكث فيهن طويلا ثم ردوه إلى الإنس فكان يحدث الناس بما رأى فيهم من أعاجيب فقال الناس حديث "خُرافة".رواه أحمد.
ومن حديث الرسول صلى الله عليه وسلم يتبين لنا بأن هذا الرجل الصالح من قبيلة بني "عذرة" القضاعية واسمه "خُرافة" ولعلّ اسمه مشتق من خُرافة النخل وهو ما خُرف من رطبها، وقد وصفه نبينا بأنه رجل صالح فهو لم يكذب على قومه بما رآه ورواه عن الجن ولكنهم كذبوه بما رأى، حتى قالوا كلّ ما يسمرون به في الليل ويستملحونه من الأساطير حديث "خُرافة" ولكن رسولنا الأمين صدّقه ولهذا نحن نصدّقه وإن كان المثل أكبر وأشهر من تصديقنا أو تكذيبنا وحتى في عاميتنا لم يسلم منّا "خُرافة العذري" وقلنا للقصص الخيالية "خرّوفة ".