أستطيع أن أثير كثيراً من الأسئلة حول جماعة "الإخوان"، وهي أسئلة قديمة كانت تدور في خلدي منذ سماعي بهم أول مرّة، ثم لما اقتربت منهم في مقرهم المسّمى بـ"الإصلاح والتوجيه الاجتماعي" في دبي نظرتُ إليهم بعين المتعجّب، بل كان يتملكني في بعض الأوقات شعورٌ بالريبة ولا أستطيع أن أعبر عن ذلك بسبب صغر سنّي.

فقد كانوا يتمتعون بحسن التنظيم ولم يكن أحد مثلهم إلا العسكريون الذين تعودوا على النظام وإطاعة الأوامر، وكذلك كانت نشاطاتهم لا تنتهي في دبي وغيرها، وهم يتشابهون في الأشكال من الملبس واللحى الخفيفة على طريقة مؤسس الجماعة "حسن البنا"، وكذلك كانت مسرحياتهم وأناشيدهم وكتاباتهم ومحاضراتهم ومخيماتهم، كلها تصبُّ في نفس الحوض الذي ملأوه تضامنا مع قضية "الإخوان" وجماعتهم المضطهدين في "مصر" والشام، وهم في نفس الوقت يزيدوننا كرهاً وبغضاً في الأنظمة العربية الحاكمة.

 ومن العجائب أيضا طريقة الحديث التي يمتازون بها عن غيرهم، فهم تقريباً لا يختلفون عن بعضهم فيها، وأنا إن سألتُ وأعدتُ السؤال فإنّي أعرف يقيناً أنّ كثيراً من سؤالاتي لن أجد لها جواباً، لأنّ هذا التنظيم خطيرٌ جداً وعميقٌ، فقد بُني على أسُسٍ ونظُمٍ متكاملة منذ بدايته، ولهذا أستبعد أن يكون "حسن البنا الساعاتي" الشاب الصغير، يستطيع أن يقوم وحده بهذه الإجراءات الخطيرة لحماية جماعته وضمان بقائها.

سأنقل لكم شيئاً قليلاً من إجراءات تنظيم "الإخوان" التي أراها من الغرائب والعجائب، ولكن لا يراها المنتسبون لهذه الجماعة كذلك، لأنهم تربوا عليها وتعودوا أن يطبقوها منذ صغرهم، أو مرّت عليهم السنوات حتى أصبحت من أعمالهم اليومية، ومن ذلك يقول "حسن البنّا" مؤسسهم الشاب في "مذكراته" عن منهاج جماعته - وهي أغرب ما يمكن أن يأمر به مسلم يؤمن بالله ورسوله ويعلم أنّ الطاعة لا تكون إلا لله ورسوله وولاة الأمر - فذكَر من هذه الأوامر الغريبة التي تُفضي إلى طاعةٍ عمياء للمرشد العام وللجماعة، وتؤسس إسلاماً محصوراً في منهجٍ كتبه رجلٌ لا يعرف الفقه والشريعة إلا قليلاً، ولا يمكن أن يقبله عالم أبداً، ومنه:

- اعتبار عقيدة الإخوان رمزاً لهذا المنهاج.

- على كل مسلم أن يعتقد أنّ هذا المنهج كله من الإسلام، وأنّ كل نقص منه نقص من الفكرة الإسلامية الصحيحة.

- كل أخ لا يلتزم هذه المبادئ، لنائب الدائرة أن يتخذ معه العقوبة التي تتناسب مع مخالفته وتعيده إلى التزام حدود المنهاج.

قلتُ: هل سمعتم بأحدٍ من علماء الإسلام منذ العصور الأولى إلى يومنا هذا، يلزم المسلمين بمنهجٍ ومبادئ يدّعي أنّها من الإسلام، ثم يعاقب كل من لا يلتزم هذه المبادئ حتى يعود إليها؟ ألم يسمع بقول كبار علماء الإسلام كالإمام مالك والشافعي وأحمد وقبلهم أبو حنيفة وكبار علماء الإسلام يقولون - والقول لمالك -: كلٌّ يؤخذ منه ويرد عليه إلا رسول الله عليه الصلاة والسلام؟

لم يكتف حسن البنا بهذا الأمر الإلزامي وإصدار العقوبات على المخالفين، بل أمر بتنشئة الإخوان وتربيتهم صغيرهم وكبيرهم عليها ليتعودوا على السمع والطاعة لمرشدهم وعدم مخالفته، ليؤسس بذلك جماعة متعصبة لنفسها لا ترى غير أتباعها، فيقول:

- "على النائب والهيئات الرئيسة لدوائر الإخوان المسلمين، أن تُعنى بتربية الإخوان تربيةً نفسية صالحةً تتفق مع مبادئهم".

قلتُ: انظروا كيف يهتم بتربية الإخوان تربيةً نفسية لتتفق مع مبادئه التي وضعها، ويلزمهم بها حتى تصير هذه المبادئ هي أساسهم ومرجعهم.

وعن "الواجبات العشر" التي حفظتها أول معرفتي بهم عندما أعطوني كتاب "مذكرات حسن البنا" لأتعلم منها منهجهم، وقد أوجب "البنا" على الإخوان الالتزام بها، ولا أدري كيف يفرض أمراً لم يفرضه الله ولا رسول الله، ولكنّها كما ذكرت لكم تعاليم لم يُنزل الله بها من سلطان وما يُريد بها إلا تطويع الجماعة لخدمة "المرشد العام"، الذي كان هو منصب "حسن البنا" حتى وفاته، ثم استفاد من هذه الأوامر الملزمة كل "مرشد" أتى من بعده، فيقول:

"الواجبات العشر عند جماعة الإخوان المسلمين:

1- حمل شارتنا.

2- حفظ عقيدتنا.

3- وقراءة وظيفتنا.

4- وحضور جلستنا.

5- وإجابة دعوتنا.

 6- وسماع وصيّتنا.

7- وكتمان سريرتنا.

8- وصيانة كرامتنا.

9- ومحبّة إخوتنا.

 10- ودوام صلتنا".

قلتُ: هكذا يتربّى الإخوانيون، وهذا هو منهجهم الذي يطوّع قلوبهم لطاعة "المرشد العام"، ولو كانوا من خرّيجي جامعة "هارفرد" وكان "المرشد العام" جاهلاً لا يعرف الكتابة والقراءة.. وللمقالة بقية.