تظل الأمور مجهولة لفترة من الوقت ثم تظهر للناس، إما في الوقت المناسب فينفع التصحيح والتغيير، أو بعد فوات الأوان حيث لا تفيد الحسرة ولا كلمة "يا ليت".. وما أقل الأولى وما أكثر الثانية، فكم من سرٍّ لو عُلم في وقته وإبّانه لتغيّرت الأمور، ولتمّ إصلاحه وتجنب النتائج السلبية الخطيرة التي حدثت بسببه.

خُدعنا لفترة زمنية من أعمارنا بالآلة الإعلامية التابعة لجماعة "الإخوان المسلمين"، حتى ظننا أن الإسلام محصور في جماعتهم وأن الدين كله لهم، ومن ليس منهم فهو على شفا جرُفٍ هارٍ يكاد ينهار بكل من يقف فوقه في جهنم. ولست أبالغ إذا قلت لكم إننا كنا نظن من سذاجتنا أنهم خيرة الخلق وصفوته، بل هم صحابة هذا الجيل الحديث، من شدة تأثرنا بهم، وقد أفقت مبكرا من هذه الغفلة بفضل الله ثم بفضل حبي للعلم وطلبه، فهجرتهم لأنهم أبعد الناس عنه.

عندما أسس حسن البنا جماعته في سنة 1928م مع ستة من رفقائه، وكان عمره حينئذٍ 24 سنة وكان ذلك بعد تخرجه من دار العلوم بسنة واحدة - مما يجعلنا نضع خطين تحت هذه المعلومة، وسوف نناقشها في مقال آخر إن شاء الله - جعل البنا ينظم الجماعة ويقسمها ويرتبها على أساس إداري محكم، ووضع لها القواعد القوية ليضمن بقاءها ويطمئن لولاءات أتباعها، فاخترع مسمى "المرشد العام" ليتمكن من السيطرة على المنتسبين لها، ثم بعد ذلك ليزيد الولاء بينهم أضاف البيعة، واتبع خطوات غريبة وعجيبة لا يمكن أن تكون صادرة من هذا الشاب الصغير قليل التجربة آنذاك، بل من منظمة كبرى توجهه وتدله.

لن أتكلم عن الإخوان ولا أفكارهم ولا تاريخهم، ولا حتى عن تحزبهم المقيت وتعصبهم لبعضهم بعضا، حتى بلغ هذا التعصب في ما بينهم أن يكون في الزواج والتعاملات التجارية وغيرها من صغائر الأمور وكبائرها، ولكن سأدندن حول منصب "المرشد العام" وثقافته، وكيف تطور عبر الوقت إلى أن بلغ الذي بلغه هذه الأيام وترونه بأعينكم أيها الأعزاء.

"المرشد" مأخوذ من الإرشاد والتوجيه، يقال في العربية: أرشده إذا هداه إلى الطريق، ومنه أخذ البنا هذه التسمية وأضاف عليها "العام" لتكون درجته هي العليا في جماعته.

وإذا عرفنا معنى "المرشد العام" قد يسأل سائل: هل لهذه التسمية علاقة بالخلفاء الراشدين من حيث دلالة الاسم؟ ولماذا اختار الإرشاد ولم يقل مثلا: القائد العام، المعلم الأول، الإمام، وغيرها من المسميات؟ وهل اختار مفردة "المرشد" ليمنع العلماء من الوصول إلى درجة القيادة العليا في "الإخوان" إن وُجدوا، وبوجودهم في الإرشاد والقيادة لن يرضوا إلا بالعمل بشرع الله وسنة نبيه مما سيعطل مصلحة الجماعة؟ وهل استطاع عالم أن يصل لهذا المنصب مع قلة العلماء بينهم؟ ولماذا يبقى المرشد العام مرشدا حتى وفاته.

حيث لم يلِ هذا المنصب إلا سبعة منذ عام 1928م؟ وهل صحيح ما يُشاع من أن "المرشد العام" بمثابة خليفة المسلمين وهو يوزع الولاة في العالم الإسلامي ولهذا تتم مبايعته وعدم عصيانه؟ وما مدى مصداقية قول من يقول: إن من شروط "المرشد العام" أن يكون مصريا ولا يحق لغير المصري أن يكون مرشداً؟ وما هي الشروط التي يجب أن تتوافر في شخصية "المرشد"؟ وهل يحق لـ"المرشد" أن يأمر بالاغتيالات حسب عرف الجماعة أم لا؟ وكذلك سأتكلم عن التراث الإخواني في كيفية المبايعة السرية.. وهذه أسئلة قليلة من تساؤلات كثيرة سأحاول أن أجيب عنها في المقالات القادمة بإذن الله..