أجمل العلوم تلك التي لم نعرفها بعد، وأكثرها إثارة ومتعة ما تحتاج إلى جهد جهيدٍ لسبر أغوارها واعتلاء أسوارها وهتك أستارها حتى نصل إلى بغيتنا منها ونشفي غليل صدورنا للمعرفة، ولاقتناص الحقيقة من مواردها، وإن طال الزمان وبعُدت الشُّقّة فإنّ لقلوبنا من الغايات التي لا يعلمها إلا الله، وإنّ أسماها أن نكتشف سرّاً علمياً لم نكن نعرفه من قبل، وهكذا قلوب الباحثين عن المعارف ليس تشبهها أو تأنس بها إلا من شاركها في هذه اللذة الخالدة، ورحم الله العلامة اللغوي "الزمخشري" (467-538هـ) إذ يقول:

 

سهَري لتنقيحِ العلومِ ألذُّ لي

                      منْ وصلِ غانيةٍ وطيبِ عناقِ

وتمايلي طرَباً لحلِّ عويصةٍ

                     أشهى وأحلى من مُدامةِ ساقي

وصريرِ أقلامي على أوراقها

                          أحلى من الدوكاءِ والعشّاقِ

وألذُّ من نقر الفتاةِ لدفّها

                       نقري لأُلقي الرملَ عنْ أوراقي

يا منْ يحاولُ بالأماني رتبتي

                            كم بين مستفلٍ وآخر راقي

أأبيتُ سهرانَ الدجى وتبيتهُ

                         نوماً وتبغي بعدَ ذاك لحاقي

 

وقوله "الدوكاء" يعني به الطيب كما جاء في تاج العروس، وأقول صدقت يا محمود الزمخشري: فرقٌ كبير بين من يبيت نائماً هانئاً بطيب المنام وذلك العاشق السهران للمعرفة الذي يريد تنقيح العلوم وتصحيحها، جعلنا الله منهم آمين.

الزبّاء وزنوبيا

ذكرت فيما سبق أنّه لا يمكن أن يكون اسم الملكة العربية هو "زنوبيا" لأنه اسم غير عربي، والأقرب إلى الصواب أن هذا الاسم تحريف روماني، وقلتُ بأنّه لا بدّ أن نعود به إلى أصله العربي وهو "زينب أو الزبّاء" بالقصر والمد، كما بيّنت ذلك عند ذكري للاشتقاق اللغوي له، ويمكن أن نثير هنا هذا السؤال الذي أدخلني في حيرةٍ وشك منذ زمن بعيد؛ وهو هل "الزبّاء" قاتلة جذيمة الأبرش هي نفسها الملكة "زنوبيا" التي حكمت "تدمر"، أم هي ملكةٌ عربية أخرى وتشابهتا على المؤرخين فخلطوا بينهما؟

والجواب على هذا السؤال يحتاج إلى بحثٍ طويلٍ ومعلوماتٍ صحيحةٍ من مصادر موثقة، ولكن سنكتفي بما ظفرنا به ليدلنا على الطريق أو لنقل على أول الطريق حتى يظهر لنا علم جديد من خلال الآثار والحفريات في مدينة "تدمر" التاريخية بعد زوال الحرب الأهلية هناك بإذن الله، وعليه لا نستطيع تأكيد الأمر أو نفيه حتى تؤكد الأدلة أحدهما، لأن القصة العربية عن "الزبّاء" تختلف تماماً عن الروايات الرومانية حول "زنوبيا" وكذلك الآثار التي اكتشفت مؤخراً لهذه المملكة العربية القديمة، ما يجعل الباحثين يدخلون في حيرة وشك شديدين.

 

ومما يزيد الطين بلة أنّي قد قرأت في كتاب "فتوح الشام" للواقدي ما نصه: "عن يزيد بن أبي حبيب عن راشد مولاه قال: لما عول عياض بن غنم الأشعري على المسير إلى "رأس العين" إلى قتال الملك "شهرياض" بعث قبل مسيره أشعث بن عويلم وعبد الله بن غسّان إلى القلعتين المعروفتين بـ (زبّا وزلوبيا)".

قلتُ: يظهر من نص الواقدي المتوفى في أول القرن الثالث الهجري وجود قلعتين باسم "زبّا وزلوبيا" منذ الأيام الأولى للفتوحات الإسلامية للشام، فهل هاتان القلعتان في منطقة "دير الزور" السورية اليوم تعودان لهذه الملكة أم لا؟، ولماذا تسمى إحداهما "زبّا" والأخرى "زلوبيا" التي وقع إبدال في نونها وأصلها المشهور "زنوبيا"، والعجيب أيها الأعزاء أن هذه المنطقة تعرف حتى الآن باسم "حلبية وزلبية"، فانظروا كيف تغيّرت الأسماء. وللمقالة بقية.